مركز عامل – عين الرّمانة: “طوق نجاة” لمن اغرقتهم الحياة

0
67

عين الرمّانة ترحّب بكُم. مضينا في شوارع المنطقة. بوصلتنا مركز التنمية الاجتماعيّة لمؤسّسة عامل الدوليّة.   لم يكن محض صدفة الاتخاذ من هذه المنطقة مركزا لمؤسّسة عامل الدوليّة. هذا المركز الذي أتمّ عقده الأوّل، تأسّس في عين الرمّانة لما تحمله هذه المنطقة من رمزيّة. فكانت عامل وكان مركزها في عين الرمّانة طيلة هذه السنوات، يسطّر ضرورة خدمة المواطن-الإنسان وصون كرامته بمعزل عن انتماءاته الجغرافية، العرقيّة، الطائفيّة، او خياراته السيّاسية والثقافيّة.

مركز التنمية الاجتماعية في عين الرّمانة

المركز شهير في المنطقة، لذا لم يكن بلوغه بالأمر الصّعب. هذا المركز الذي يشغل إحدى المباني القديمة، يفتح أبوابه أمام النّاس من الإثنين حتى الجمعة.

عند ولوج المبنى، يشدّ انتباهك لوحة مصمّمة دوّن عليها أنّ “النساء هم المهندسات الحقيقيات للمجتمع”. وسرعان ما تدرك أنّ المركز صباحا مخصّص لتعليم النساء فقط. فإيمانا بمبدأ أنّ النسّاء هن كلّ المجتمع لا نصفه، يتولى هذا المركز في فترة ما قبل الظهر تطوير وحماية النساء من مختلف الجنسيات وذلك من خلال تطوير مهاراتهم الفكريّة واليدوية من جهة ومن جهة أخرى من خلال توفير الدّعم النفسي والاجتماعي وخلق نشاطات تنمويّة وترفيهيّة لهؤلاء النساء.

يقدّم المركز في عين الرّمانة خدمات تعليميّة للنساء والفتيات من عمر 15 سنة وما فوق. مدّة الدورة ثلاثة أشهر، يسمح خلالها لهؤلاء النساء المشاركة في صفيّن من الصفوف المتوفرة في المركز. تتنوّع الصوف وتنقسم بين صفوف تعنى بتطوير المهارات الفكرية (لغة عربية، فرنسية وانكليزية- كومبيوتر…) من جهة وبين صفوف الأشغال اليدوية (تطريز – حفر على الخشب- موزاييك…) من جهة أخرى.  ومن الجدير بالذكر أنّ بعض المشاريع التنموية والاجتماعيّة التي يقدّمها مموّلة من مفوضيّة الأمم المتحدّة العليا لشؤون اللاجئين UNHCR.

تواظب عامل على العمل على قرن القول بالفعل من خلال هذه النشطات وتسعى باستمرار الى تمكين المرأة وتحريرها اقتصاديا بهدف ممارستها دورا قياديا في المجتمع.

أمّا في فترة بعد الظهر، يستقبل المركز أطفالا ويقدّم لهم الدعم المدرسي، والنفسي والاجتماعي.

 

خفايا مركز عامل في عين الرّمانة

تروي كلّ امرأة في ذلك المبنى حكاية، وقصة مأساة بفعل الحرب واللجوء أو ضغوطات الحياة الاقتصادية والاجتماعية. تخبئ كل واحدة منهنّ همومها وتدخل الصفّ بحثا عن نفسها، عن كيانها علّها تستعيد ما نهبته الحياة منها. لذا خلف جدار هذا المبنى، تنسج يوميا قصص كفاح ونضال قادرة على دحر كل أشكال الإحباط واليأس.  وكذا يمسي مبدأ التفكير الإيجابي والتفاؤل المستمر، الذي رفعته المؤسّسة طيلة السنوات الماضية، قولا وفعلا على حدّ سواء.

سيفان امرأة سوريّة لبنانية، اعتادت على التردّد الى مركز عامل يوميا منذ عامين ونصف العام، للمشاركة في جميع صفوف الأشغال اليدوية. بالنسبة لها مركز عامل ليس الا بيتها الثاني. هو” طوق نجاة”، على حسب وصفها، من ضغوطات الحياة وأعباء الزواج ومسؤوليّة المنزل. هذه المرأة الخمسينيّة تجد في عامل مركزا لتحقيق أحلامها وطموحها. النقطة الفارقة في هذا المركز هو الاحترام والتقدير والتشجيع ورفع المعنويات على خلاف ما يواجهه الانسان في المجتمع من تنمّر وسخرية والى ما هنالك. تقضي سيفان معظم وقتها في صفوف الاشغال اليدوية معتبرة أنّ الحضور الى المركز هو بمثابة علاج نفسيّ لها.

كذلك سماهر امرأة أربعينية العام تثابر منذ عام على التردّد الى مركزعامل بشكل يوميّ لإتقان اللغة الفرنسية لا لتعلمها فقط. مركز عامل وفّر لها فرصة مجانيّة ومكنّها من بناء حلم جديد لها بعد ثماني سنوات من اللجوء. تحلم اليوم سماهر بالعودة الى سوريا لتصبح معلّمة للغة الفرنسية للنساء والأطفال.

ه ل وا ج ه ت يوما صعوبة في قراءة الأحرف، كتابتها، وتجميعها. في صفّ اللغة العربية، عشرات النساء على مختلف جنسياتهم يقضون ساعات من النهار للفظ حرف أو كتابته. تجمعهم عامل في صفّ واحد، على نفس المقاعد دون التمييز بينهنّ. فهنا خلف هذه الجدران تتكسّر كل أشكال الصور النمطيّة وتنجلي كلّ الفروقات السائدة في المجتمع بين الأشخاص. كل شيء في هذا المكان منظّم على أساس الكرامة الإنسانية.

عامل التي نجحت باستمرار في تقديم نموذج العمل المدني فكرا وقولا وعملا، وفي تعميق ثقافة التطوع والالتزام بالشأن العام على حساب المصلحة الخاصة، تسطّر نجاحا آخر في زرع ثقافة التطوّع في نفوس هؤلاء النساء.

لقد قيل سابقاً من يفتتح مدرسة يقفل سجنا فكيف بالإنسان إذا ما جعل من منطقة ملتقى لجميع الأفراد تحت غطاء اجتماعي وانساني؟