صبحية الشيخ علي من أوائل المسعفات في “عامل”: بالعطاء يحيا الإنسان

0
88

تحتفل مؤسسة عامل الدولية باليوم العالمي للعمل الإنساني المصادف في 19 آب/أغسطس للإشادة بعمل الإغاثة الذي كان لها اليد الطولى فيه منذ تأسيسها قبل عقود، وكان جميع العاملين والعاملات فيها الى جانب رئيسها المؤسس الدكتور كامل مهنا يجازفون بأنفسهم في مجال الخدمات الإنسانية. في هذا الفيديو تروي المسعفة في مؤسسة عامل الدولية صبحية الشيخ علي تجربتها في العمل الإنساني خصوصاً في حقبة الحرب الاهلية اللبنانية المشؤومة. 

لست متعلمة، ولا أنا بقادرة على إجابة سؤالكم: “ما هو جوهر العمل الإنساني؟ولكني سأروي لكم قصة صغيرة، عساها تلامس المعنى. 

كان ذلك في عام 1982، أثناء الاجتياح الصهيوني الثاني للبنان. كنت مع فريق المؤسسة قد قضينا يوماً طويلاً في انقاذ الجرحى، وانتشال الجثامين، في منطقة بيروت. في المساء، واثناء وجودنا في مسشفى طوارئ ميداني لعامل في الشياح، مقام ضمن ملعب مدرسة، وإذ بقطة مصابة تزحف إلينا ساحبة خلفها شريطاً طويلاً من الدم، نتيجة لإصابتها بشظية، وكنّا في الوقت ذاته نعاني نقصاً في الأسرّة والمواد الطبية، وقد أصيب أحد زملائنا في قدمه سابقاً أثناء مهمات الصباح.

اكتشفنا أن تلك القطة بحاجة لعملية جراحية فورية، وفعلاً قمنا بتجهيزها وتخديرها وتولى الدكتور عدنان عملية بتر قدمها، فيما تبرع زميلنا الجريح ذو الـ18 عاماً بسريره لهذه القطة. فضّل أن يفترش الارض على أن يحرم كائناً صغيراً من فرصة الحياة، في ظل أعتى الظروف وأحلكها في تاريخ لبنان. كانت تلك هي ببساطة الأخلاق التي تعلمناها ومارسناها أثناء مهمتنا الإنسانية في عامل، طيلة أربعة عقود. وهكذا بالنسبة لي يمكن فهم جوهر العمل الإنساني ومهمته النبيلة“.

عبر تلك الحكاية الصغيرة، تعرّف فريق عامل من الجيل الجديد، على السيدة صبحية الشيخ علي، إحدى أوائل المسعفات والعاملات الإنسانيات في مؤسسة عامل الدولية، منذ العام 1979، أثناء زيارتها في بلدتها الخيام بهدف توثيق بعض التجارب المرتبطة بتاريخ المؤسسة.

لقد بدأت رحلة صبحية في مجال العمل الإنساني، باكراً، بعد اجتياح الجنوب الأول عام 1978 وتهجير أهالي الخيام، فالتحقت بالعمل في مستوصف الصفير الذي افتتحه الدكتور كامل مهنا لنجدة الاهالي النازحين من الجنوب.

كانت شخصية الدكتور كامل الفدائية كما تصفها صبحية، عاملاً مهماً في جذب المتطوعين واعطاء القوة لفريق مؤسسة عامل، وتحفيزه على العطاء الإنساني غير المحدود، وفي ظل الانقسامات الطائفية والحزبية التي كانت تعصف في لبنان، كانت عامل تبني الوحدة والألفة والتضامن بين مكونات المجتمع، وضمن فريقها، لقد كانت هذه المؤسسة وقائدها د. مهنا بمثابة النعمة الالهية للمحتاجين والضعفاء في تلك المحنة، بحسب تعبيرها.

استهداف العاملين الإنسانيين

لم تستطع صبحية، أثناء سؤالها عن عدد المرات التي تعرض فيها فريق عامل للاستهداف، أن تحصي رقماً محدداً، فذاك الفريق الاسعافي المؤلف من متطوعين شباب من كافة مكونات المجتمع، تعرض عشرات المرات للاستهداف المباشر، ومن ضمنهم د. كامل مهنا الذي نجا من الموت بأعجوبة مرات عديدة.

إن مجرد اختيار الإنسان نفسه لهذه المهمة، والالتزام بإنقاذ الناس في الظروف الصعبة، تعني أنه قبل بالتضحية بروحه وحياته من اجل هذا الهدف الساميتضيف صبحية في معرض شرحها حول تعرض حياتها وحياة زملائها سواء في عامل أو منظمات اخرى للخطر.

وهي واحدة من الذين واكبوا محطات عديدة في تاريخ مؤسسة عامل، بدءاً من افتتاح المستوصفات والمشافي الميدانية في بيروت والبقاع والجنوب، مروراً بالانتقال إلى حملات التلقيح ومشاريع التنمية والتمكين في وادي بوجميل والدامور، وانتهاءا بآخر مشاركة اسعافية لها خلال العدوان الاسرائيلي عام 2006، فعلى الرغم من انتقالها للعمل في الدفاع المدني اللبناني، حافظت صبحية على دورها التطوعي في المؤسسة وخصوصاً في الأزمات والحروب.

كما انها شاركت فريق عامل اثناء مهماته في مجرزة صبرا وشاتيلا المروعة، ومجزرة الزرارية، ومجزرة الجامعة العربية، وغيرها الكثير من المحطات التي كان فريق مؤسسة عامل الاسعافي في مقدمة العاملين الانسانيين خلالها.

تشتهر صبحية بين زملائها القدامى في عامل، بقدرتها الاستثنائية في عمليات الانقاذ وسحب الجثامين خلال مرحلتي السبعينات والثمانينات، وفي كثير من المرات كما حصل معها منذ عامين في حارة حريك، تلتقي بأشخاص كانت قد انقذت حياتهم في تلك المرحلة.

لا يمكن أن يطلب الإنسان مقابلاً للعمل الإنساني، فهو الشيء الوحيد الذي يعطيه الإنسان لمجتمع والآخرين، ليمتلئ هو من الداخل. عليكم بالعطاء فهو شفاء، هذا ما تعلمناه في مؤسسة عامل خلال 50 عاما“. تقول صبحية، ثم تضيف: “لا يمكن أن يحيا المجتمع بدون وجود عامليين انسانيين واجتماعيين، لا تحيا الإنسانية إلا بالتضحية“.