بقلم عبيدو باشا

لا يتبع د. كامل مهنا قواعد التحليل النفسي الفرويدي في علاقته بالآخرين. انه يستقبل . ولكنه لا يساوم. لا مبرر لديه لتعذيب الآخرين. لطلما استقبل ملائكة وشياطين. ملائكة ملائكة وشياطين شياطين. لم يستطع هؤلاء ان يتغلبوا على ملائكته ولا شياطينه. انه من انصار الحرية غير المؤذية والورع المحافظ في آن. هذه اسبابه لكي د. كامل مهنا أو عامل في \”عامل\”: سيرة ناقصة لمؤسسة كاملةيعين في حياته، هذه اسبابه لكي يبني حياة تستحق الحياة. انه يستقبل. بيد انه لا يساوم.رفع سلاحه منذ سنوات بعيدة. سلاح ابيض بلا سلاح ابيض. سلاح بلا قوة. سوى قوته على الاقتراب – خطوة خطوة – من المستسلمين المنبطحين على بطونهم ، الواضعين ايديهم على نقراتهم، لكي يرفعهم عن الارض الى زوارق هجومهم الجديدة. لا يتصور هرب أحد. لأنه لا يهرب. واذا روى، يروي لكي لا يخرج من عقله. لأن الرجل البارد بأقصى البرودة، لأن الرجل الحار باقصى الحرارة – بحسب الوضع والوضعية- لا تنقصه الحنكة. ولو نقصه الحظ. يروي ما لا يبارز به. هكذا يبقى حياً ويبقي الآخرين أحياء. انه قبطان سفينة لم تغرق. لأنه دفع دائماً بما يمليه الشرف، لكي يستمر ابحار السفينة. لن يحتقر احداً: حتى من يظن أنه عدوه . نظيف وبسيط.هكذا رأيته. هكذا أراه. هكذا سأراه دائماً. لذا: لن يسلم مسافريه فوق سفينته، ولن يسلم المبحرين اليها بقوارب النجاة، لن يسلمهم رواية – فدية. طالما أنه رفض ان تضحي الفدية مفردة لغوية في معجمه. لن يروي الا باصرار الآخرين عليه. أنا : أصريت. لم يرو اولاً. رفض ثانياً. ثم روى، ثالثاً. رمى نثاراً ، لم البث أن طفت وراءه، حتى هداني الى رواية العشرين مليون دولار أميركي. لن يروي للآخرين قصة العشرين مليون دولار. عشرون مليوناً على طبق من فضة. مدعاة سيلان لعاب الملائكة والشياطين. وخصوصاُ الملائكة والشياطين على كتفيه. لم يسل لعابه. ولم يتردد. ولو انه يعتبر، ولو انه اعتبر اليوم، ان الحكاية هذه من ذكرياته السيئة.
جاءه احدهم، كما تجيء الشخصيات المقصوصة من الورق. فتح يديه وكأنه يريد ان يستقبل بحراً. اقترب وهو يردد امامه: يا حكيم هناك 20 مليون دولار تنتظرك: دهش د. مهنا امام الهجوم المفاجىء. دهش بلهجة الرجل، دهش باندفاعه، دهش بحضوره الشيطاني. لم يطرق بابه. اقتحم مكتبه بمحبته الطائرة على بساط العشرين مليون دولار. ردد الرقم طويلاً، قبل أن يفصح اكثر: انه معجب بك. رآك على شاشة التلفزيون. طلب مني رئيسي ان ابلغك محبته. ثم ان ابلغك دعوة خاصة لكي تسافر اليه وتلتقيه شخصياً. جاءه احدهم. لن يفصح د. كامل مهنا عن هويته. ولا هوية من ارد استدعائه لكي يمنحه: عشرون مليون دولار اميركي بالتمام والكمال. رئيس دولة عربية. لن يقول اكثر. لن يتفوه باكثر من ذلك ولو استعملت الشياطين والملائكة على حد سواء. انه كتوم بما يتعلق بمهنته كتمان المسدس الكاتم للصوت. اشبعته معرفته باجواء الآخرين. لن يضطرب من جراء ذلك. لن تأخذه المسافات الى بلاد وهمية. ولن تأخذه الارقام الى مبالغ وهمية. ابلغه المتكلم ان رئيس التحرير في الصحيفة التي يعمل بها ابلغه بضرورة الاتصال. اتصل به، قال. وابلغه دعوة الرئيس العربي. فهم رئيس التحرير ان اللقاء يتضمن تسلم مبلغ العشرين مليون دولار اميركي. وهو رئيس تحرير من رؤوساء تحرير بصلة استثنائية بالقيم القائم على النظام في بلد النظام.
تابع رئيس الدولة د. كامل مهنا على شاشة تلفزيون “المستقبل” في واحدة من مقابلاته. اعجب الرئيس بتحليلاته وآرائه. قرر استضافته في بلده فوق سجادة العشرين مليون دولار. لم يبدر من الطبيب المتمرس بالطب في سلطنة عمان وجمهورية اليمن الديمقراطية والمخيمات الفلسطسنية واحزمة البؤس اللبنانية حول العاصمة، لم يبدر اي رد فعل. انتظر حامل الدعوة رد فعل بقي حبيس صاحبه. شعر بأنه خذل. اذ انتظر رداً حامياً او رداً عاطفياً او اعلان شكر وامتنان. ولما لم يتلقف اي شيء من الاشياء هذه: خذل. خذله طبيب حركات التحرر العربية، طبيب المقاومة الفلسطينية، طبيب الفقراء اللبنانيين. ضحك الاخير ضحكة ظنها الاول بيان قبول. ذلك أن د. مهنا – في الكثير من الاحيان – يسلك سلوك اولاد العائلات التي تربي اولادها على ايدي مربيات انكليزيات.
رغب سيء الحظ بتأكيد نهائي، لم يطله. اذ اجله د. كامل مهنا الى يوم آخر بحجة استشارة الزملاء في عامل. ثم: انتهت الزيارة بتبادل ارقام الهواتف الخليوية. عربة فاخرة محملة بالمؤن. سوف يبدو الأمر هكذا للكثيرين بما يخص الهبة المقترحة. عند د. كامل مهنا: انها لعبة من العاب الخيال. غادر الرجل مكتبه في حين استلقى –هو- على كنبة المكتب العريضة وقد اقتحمه شعور بالزهو المحمول بصرامة القواعد. لن يسلسل الاخيرة لكي لا يوقع السامعين في الروتين. غير انه حسم المسألة منذ اللحظة الاولى: صحيح انه لن يجد كل يوم رئيساً يدعوه الى زيارته لكي يمنحه عشرين مليون دولار اميركي. الصحيح ايضاً: ان د. مهنا ليس جاهلاً. ليس رجلاً منهكاً من رتابة الدوام. ليس رجلاً مهول الانضباط وليس رجل خوف مرضي. انه رجل جلاء. لطف مزاجه بلا تبجح. اذ لم يتلقف قط اطراء الرجل ولا رئيس تحريره ولا رئيس الدولة بحرفيته. وجد ان رؤوساء الدول اصحاب “ايغو” مرتفع. وجدهم نرسيسيين. وجد انهم لن يتابعوا مقابلة بالكامل. اخذ كامل بما اخذه، ليخلص الى جملة من النتائج. تابع الرئيس بالصدفة المحضة جزءاً من الحوار. لفتت الرئيس اشياء في الجزء من الحوار هذا. قلبّها على جوانبها، كما تقلب اسياخ الشواء. عندها: ضجت الاسئلة والاجوبة في رأسه. احب الرئيس شعاراً في الحوار. لأن الرؤوساء يميلون الى الشعارات. ثم بحثت عن شعار طرحته في حواري. اخذني هذا الى الاستحمام مرة ثانية في الحوار. الابرز: اولاً: لا ديمقراطية من دون مشاركة المرأة . ثانيا: العولمة الاقتصادية معناها اتساع الهوة بين الاغنياء والفقراء: الاغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً. ثالثا: التنمية تحتاج الى اعادة نظر في توزيع الثروات بتأمين شراكة حقيقية بين الدولة والقطاعين الخاص والاهلي. رابعاً: المجتمع المدني هو الرائد في بناء وعي المجتمع. ولكنه ليس بديلاً عن الدولة الحاضنة. خامساً: اغناء المجتمع المدني بتقويته وبناء الدولة العادلة وردم الهوة بينهما. بحيث تضحي الدولة في خدمة المجتمع حين تسمح الدولة بحضور المجتمع فيها.
لم يستطع ان يقطع بالاجابة . ولم تلمع كراهية حية في عينيه. جلّ ما حدث ان مظاهر المذلة لمعت على جبينه. لمعت مظاهر المذلة وهو يسوح في خياله الى جبال رئيس الدولة الوعرة، قبل ان يدلف الى المنخفضات القصوى، اثر تسلمه ماله. ما وجد الجو رقيقاً ولا العزلة هائلة. غير انه مال الى صوته الداخلي الحميم، صوت نسر عتيق: لا لمبلغ الـ 20 مليون دولار. لأن لا قتال شجاع بعدها. ولأن لا فجر بعدها. ولأن الرماة سيتكاثرون عليه وعلى مؤسسته. لن يستسلم. سيتابع القتال. لن يأكل احدهم احشاءه مشوية، لن يأكل احد قلبه مشوياً. لأن من يمول هو من يقرر. وداعاً حينئذ لحرية العمل في المؤسسة. وداعاً للمؤسسة. شجاعة عنيدة استلهمها من تربيته ومن سنوات طويلة من التعامل مع حروب العصابات الدامية والكمائن والمناوشات. نمت بذرة شجاعة فيه، كبرت بذرة عنيدة فيه، لأنه مدرب على ذلك ومسلح من أجل ذلك وإن بلا تموين كاف. المبلغ عنده: قمة مثلجة. سيدخل – اثر قبضه- في مرحلة نقص الاوكسيجين. عندها: لن يكفيه قلبه ولا رئتيه لبذل جهد يسمح له بالاستمرار. لن يأكل الرجل لحماً مراً. لن يأكل لحماً. لم يأكل لحم أحد بالحرب الاهلية. ولا بمواقعه الكثيرة. لن يأكله الآن.
قاد د. كامل مهنا نفسه الى فجره اثر رفضه السفر والمنحة المهولة. تعزز الفجر وبانت الوانه اكثر، اذ سمح جواب احد اصدقائه ، اثر استشارته له – حيث دأب على استشارة الآخرين في القرارات المهمة-سمح له بالارتقاء اكثر. وصفه صديقه بالحنبلي. ثم ذكره بانه طالب مال. اراد صديقه تسهيل الامر عليه: خذ المال وحافظ على استقلالك واستقرار قرارك. غير أنه صعّبها عليه. روى له حكاية تلك المرأة مع الرسول. قالوا له: زنت وتصدقت. اجابهم: ليتها لا زنت ولا تصدقت. لطالما اختار ميادين معاركه بنفسه. لن يذهب الى ميدان اختاره له الآخرون. وان اضطره الأمر: سيحارب ببنادقه القديمة. اخذ المال من رئيس دولة او نظام فعل زنى عندي. المسألة محسومة. هذا ما آمنت به دائماً. لن اصبح من الزناة.
سقطت – اثر ذلك – كل المحاولات. اثر ذلك : حاول رئيس التحرير – بلا واسطة – حاول ان يستدرجه مرة ثانية. هاتفه. اكد له أن جناحه محجوز في الفندق كذا. شكره. ثم تملص. التقاه في مكتبه عند عودته الى بيروت. استعمل كل مسكناته قبل ان يضعه في سياسة المؤسسة. وهي مؤسسة مبنية على قواعد ديمقراطية، مبنية على قواعد الطاعة. منشأة حيوية تريد المساهمة باخراج المواطنين من عنق الزجاجة الاجتماعية. رفض عرضه. ترجم ما انطوت عليه بنية المؤسسة ثم وضع نقطة على السطر. واذ ظن د. كامل مهنا ان القضية انتهت هنا، خاب ظنه، حين اتصل به رئيس التحرير من جديد: الرئيس في دمشق. انه ينتظرك. اعتذر الطبيب بحجة المشاركة في مؤتمر فرنكوفوني في مونتريال.أجل سفرك قليلاً. دمشق قريبة. أجاب بمهارة احد افراد البعثات التبشيرية اجابة طويلة. غير انها سرية. غير انها غامضة. هكذا طارت العشرين مليون دولار. وهكذا حميت المؤسسة من مطب عميق من مطبات الجغرافيا السياسية والاجتماعية والاقتصادية العربية. رواية استعملت تقنياتها الحميمة، المذهلة، غير المضطربة في الرد على ممثل “وكالة المساعدات الاميركية للتنمية” ، حين عرض على المؤسسة مبلغ نصف مليون دولار اميركياً، بحجة ان المؤسسة الاميركية مؤسسة حكومية. رد الاميركي على اللبناني: غير انكم تقبلون هبات ومساعدات وزارة الصحة الهولندية والفرنسية وسواها. هذا صحيح، قال د. مهنا. بيد انني استطيع ان ارافع في جدوى المساعدات هذه. وفي تقنيات وآليات استلامها. لا استطيع ذلك معكم، امام جمهور لا يزال يتضرر ،يستشهد ابناؤه من قنابلكم العنقودية بالجنوب اللبناني. ” اننا نشتغل في الجنوب وبيروت والبقاع وجبل لبنان و بيروت وضواحي بيروت. لا استطيع ان امنح طفلاً او رجلاً او سيدة بترت ساقها او يدها بقنبلة عنقودية اميركية، استعملتها اسرائيل ضدهم، لا استطيع منحهم مبلغاً مخصصاً من مؤسسة اميركية رسمية، لا تزال حكومتها تسلح اسرائيل بالقنابل هذه. “عامل” مؤسسة غير حيادية هنا . لا تشرب من نبع الا اذا صفا ماء النبع. وشعار الميمات الثلاثة الخاصة بها ( مبدأ، موقف، ممارسة) ليست شعاراً فقط. بل هو سلوكها اليومي”.
بيروت مدينة معروفة. لن يفوت زائرها موقع شارع اساسي من شوارعها. شارع يمر في العاصمة عبر شارع المتحف الوطني – العدلية ، مروراً بالاونيسكو، وصولاً الى الروشة او الرملة البيضاء بحسب بوز السيارة. انه شارع المزرعة. شارع عريق ازدهر كثيراً، اثر الحرب الاهلية اللبنانية. بعد ان تمت تصفية وسط البلد الجامع. بعد ان تمت تصفية شارع الحمراء، ابرز الشوارع اللبنانية في العقود الزمنية الاخيرة. ازدهرت في شارع المزرعة، ازدهرت عند جانبيه اصول حركة تجارية ناصعة، ازدهرت فروع حركة تجارية ناشطة، بروح تمازج بين الرفعة والشعبية. الى شماله بالمنطقة الممتدة بين جسري الكولا وسليم سلام، يقع مبنى مؤلف من ست طبقات. سوف يلاحظه الجميع عند يمين الطريق هذه. طريق يتجه من قلب العاصمة الى مطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري. مبنى ينسجم ومحيطه العمراني بروحه الهندسية. الا انه يختلف عن الابنية هذه في احتشاد سيارت الاسعاف والدفاع المدني عند قاعدته ومدخله الاساسي. وهي سيارات تنافسها – في الكثير من الاحيان – سيارات عادية او معقولة او حديثة او فخمة بلوحات دبلوماسية او حكومية. خليط متناقض ايديولوجياً، كما يحلو للدكتور كامل مهنا ان يصفه. مبنى جامع اضداد. مبنى باسم يتردد على السنة الجميع: “مؤسسة عامل”. هنا تعقد الاجتماعات الباحثة في شؤون القطاع الاهلي والمدني ببلاد عصفت بها حروب اهلية واقليمية ودولية. بلد يراوح امام التواريخ. تواريخ حروب لا تنتهي. لا تبدأ بحرب العام 1860 الاهلية. ولا تنتهي بحرب العام 1975 الاهلية بدورها. حرب بين تاريخين: 1975 – 1990 . تاريخان بارزان موصومان بوقائع ومشاهد حياة يومية دامية. حياة المدينة، الاحياء، الساحات ، الشوارع، الزواريب. حياة الحدائق القليلة الجديدة والبساتين القديمة. حياة عقدين من عقود ناس وبلاد نذرت للحروب الاهلية والحروب الاخرى. بمستواها او اكثر. حرب مرت على شيع وفئات غلب على حياتها وسلوكها قاسم مشترك عام. مثاله: نمط الحياة المدنية المستقلة للاسر والجمعيات والمؤسسات. احد ابرز المؤسسات: مؤسسة عامل. حيث تحتشد سيارات ناس الفئات الوسطى والفئات العليا، طالما ان الفئات الدنيا بلا سيارات.
ليست عامل بناية بشقق. او شقق في بنايات. انها ارفع،اوسع ، انها ابعد. لا يملؤها ساكنوها بروايات الحروب المتعاقبة فقط، بل بكل ما يدفع ألفية متخلفة الى ألفية افضل. ذاكرة الحرب هنا. وهنا: احلام السلام. وهنا: رجال نذروا انفسهم في خدمة الناس بالحرب وبخدمة الناس بالسلام. نظام حياة لا سكنية. نظام حياة تدافع عن حياة مقوضة او مهددة بالتقويض. سوف يستلزم ذلك الكثير الكثير. الكثير من التفكير. الكثير من التطوير. كل رجل او سيدة او فتاة هنا عامل في “عامل”. كلهم عمال في “عامل”. لا مفارقة ولا لهو في ذلك. لان تنظيف الحياة من سمومها وسموم من يسعى الى نشر السموم في الحياة، بحاجة الى النأي عن الهرجات. بحاجة الى النأي عن العراضات. الطوابق متشابهة هنا. الغرف متشابهة هنا. غرفة د. كامل مهنا في واحدة من غرف الطابق الخامس. ما يميزها عاصفة مستمرة منذ عقود. عاصفة بلا أذية. عاصفة رجل كتب بترويسة اولى صفحات اجندته: لا لبرامج مذلة تشتري غضب المنكوبين وخوفهم والآمهم وتشردهم وضياعهم وقنوطهم. ليس في البرنامج: اثاث لائق. لان الاثاث لا يبني مكتباً. لان الاثاث لن يؤدي الى شغل نظيف. او هيبة مستقرة.
لا تزال العاصفة غير المؤذية تهدر في مكاتب “عامل”. لا تزال العاصفة هادرة في حيز د. كامل مهنا . ولكن في اجواء السلم الاهلي. اجواء تعكرها احداث طارئة او محسوبة. احداث لم يسلم لبنان منها منذ مئات السنين.
لن تخفي الاجتماعات التنسيقية بين المنظمات الاهلية، ذاكرة ناس المبنى. ذاكرة حية، حيوية. ذاكرة ارشيفية بآن. لن تخفي اجتماعات وضع الخطط والدراسات الذاكرة البصرية المحصلة من مئات المواقع المنتصرة او الساقطة تحت ضربات القوى اللبنانية والعربية والدولية المتصارعة على ارض لبنان. بطولات ومآسي وتضحيات. عناوين بارزة في حياة اللبنانيين، عناوين بارزة في حياة اللبنانيين المشتغلين في عامل. هؤلاء: النظام اللا نظام. هؤلاء: الكتلة . هؤلاء: اليد الواحدة، القبضة، الروح المقاومة، السدود الطالعة بوجه الرياح العاتية المصفرة بالاوقات السعيدة وغير السعيدة على حد سواء. لن تخفي الاجتماعات المبادرات ولا الورش بالمجالات كافة. لبنانيون من كل الاطياف، اجانب بجنسيات متعددة، تجمع هؤلاء، هؤلاء كلهم: خطط ومشاريع لن تلبث ان تضحي وقائع ضرورية في صناعة
وترسيم ملامح المجتمع المدني المأمول. هذا مقر ادارة مراكز المؤسسة الكثيرة المنتشرة فوق مساحة الاراضي اللبنانية. مراكز متحولة بحسب الايام. مراكز طوارىء واسعاف ودفاع مدني واغاثة في الحرب. بالسلم: مراكز تأهيل وتدريب وتنمية مستدامة واعلام المواطنين بحقوقهم المدنية. قبل كل شيء: المشاركة في بناء لبنان – الوطن والمواطن الانسان. لا كلمات هاذية هنا، حتى في ظل مأساة او مآسي كثيرة. لذا: قاومت “عامل” بتحدي ظروف الحرب اولاً. ثانياً: بالانتقال من حال الى حال مغايرة تماماً بالظرف والاهداف والآليات المتاحة في الانشطة بلا استثناء. اضطرت المؤسسة الى مركزة نفسها بنفسها في موقع معروف عنها: اعادة تمركز. قرأت المؤسسة تجربتها نقدياً. راجعت حضورها بالتنظيم واللوجيستية. وضعت خططاً ورسمت برامج بطرائق تفكير مبتكرة. ان اهم ما وضعته القيادة امامها في المرحلة الجديدة، بحسب د. كامل مهنا: انها سوف تتعامل مع مجتمع مدمر، خرج تواً من حرب اهلية مدمرة ومريرة، لم يسلم منها احد، حتى الكادر في المؤسسة، بورشة مزدوجة. اولها داخلها. او داخل المؤسسة. ثانيها: الشغل بالميدان، بالشغل المباشر، بالعلاقة المباشرة بالناس، بالعلاقة المباشرة بالقطاعات الاهلية.
لن يقول د. كامل مهنا ان “عامل” حققت نقلة نوعية واضحة واسعة في زمن قصير. لن يمارس سياسة الرشى هنا. لن يرشو نفسه بالكلام على تجربته او تجربة الآخرين في المؤسسة. بيد ان ذلك صار واضحاً للكثيرين: ارتفعت النفقات المطلوبة امام المد الهائل في الحاجة الاجتماعية والاقتصادية. ارخى الدين العام بثقله على اللبنانيين. بحيث صارت خدمة الدين تستأثر باربعين الى اثنين واربعين بالماية من الموازنة. هذه هي خدمة الدين العام، بحسب الاخصائيين. لا تقوم خدمة بلا استدانة. النتيجة: تراكم بدون نهاية.
يمتلك العاملون في المنشأة الحيوية هذه وعي عظيم بتاثير ذلك على الناس، بانعكاس ذلك على الناس. ثمة عجز في الكهرباء والماء. ثمة عجز في مستلزمات الحياة الاساسية. ثمة عجز في المقومات غير المتوافرة باستمرار لدى اللبنانيين. انخفض متوسط دخل الفرد اللبناني في السنوات الاخيرة انخفاضاً خطيراً. بدأ عمل د. كامل مهنا في هذه الزاوية، في هذا المجال: معالجة انخفاض معدل الدخل الفردي السنوي، الذي لا يتحسن ما لم تسبق معدلات النمو معدلات الولادة، بلغة الاقتصاديين الاكاديميين. لم يحقق لبنان نمواً في خلال السنوات الطويلة الغابرة. واكثر: منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. تولت عامل الزمام امام الواقعة هذه في حيزها، وبالتعاضد والتكافل مع المؤسسات الاخرى. عندي: انها أوضح، انها اسرع، انها لا تمارس طفرة وسط اضطراد الفوارق الاجتماعية الهائلة في لبنان. لدى د. كامل مهنا ما يعاضده على ذلك. وما هو جوهري لا يتبدل لديه : ضرورة تغذية الناس في محصلة لا تقلب العمل الاجتماعي الى اشغال الناس بفقرهم وتخديرهم بالعطايا. لكي لا تنتشر الشحاذة. حيث ان منع انتشار الفقر، بحاجة الى ثقافة أخرى. ثقافة كرامة، ثقافة آداء رفيع. وهو ما سعت اليه “عامل” وما سعى اليه رئيسها بمفهوم: ان العجز لا يستنفذ فقط حيوية المواطن وطاقاته الفردية ، بل الرؤى الجيدة لمستقبل واعد لا يقوم على بازارات الحاجة والطلب. او بازارات الاستعطاء.
تنشر المؤسسة بـ “حكمها الرشيد” ثقافة المواطنة في مقابل المآزق الراهنة في لبنان، الطالعة من عصبيات وكلاء زعماء الطوائف وزعماء الطوائف انفسهم. تندفع الى تفعيل التنوع. ليس هذا جديداً عليها. بالعكس. لأنها لم ترجح حضورها ابداً بين التكاذب المتبادل والتنافس والصراع. لعل هذا ما يفسر حضورها الاثيري. اذ اضحت حكومة ظلية بلا ظل حكومة قائمة. حصيلة تجربة ميدان، تجربة ميدانية. حصيلة تجربة تضافر عليها مئات الاشخاص، منهم من لا يزال حياً ومنهم من قضى وهو يسعى في مساهمته. ساهم الجميع، كل من موقعه، في تحقيق اهداف المؤسسة، في تحقيق المؤسسة اهدافها، ابان سنوات الحرب الاهلية. او في مرحلة السلم الاهلي الواضحة والمزغولة في آن. تجربة ببصيرة. تجربة “ليست على عماها”. تجربة حكمتها الظروف القاهرة قبل ان تحكم الظروف القاهرة بذاتها بسياسة خضوع النظرية الى التطبيق وخضوع التطبيق الى النظرية. لا كلام مستعجل هنا. لأن الخضوع الى الرؤية في النظرية والتطبيق هو ما قاد المؤسسة عبر ناسها – وناس المؤسسة- عبر المؤسسة الى تحقيق ما انجز.
مرت المؤسسة بما مرت به البلاد. تمزقت ساحة الشهداء، تمزق قلب المدينة، تمزق “البلد” ( يسمي الناس الساحة في وسط بيروت “البلد”، لأنها تختصر البلد في وجه من وجوهها). مرت المؤسسة بما مرت به البلاد. سقطت البلاد – في برهة طويلة – فوق الناس، فوق اللبنانيين. هرب البعض. نظم البعض الآخر نفسه لكي يلحق بالهاربين. بقي الباقون. عندها ، سقطت البلاد على رؤوس المحاصرين بالداخل: الجند والجمهور على حد سواء. سقطت المساحة الجامعة على الرؤوس. ولكنها لم تتبخر. بقيت الجوامع والكنائس والمؤسسات والبيوت هنا. نخرها الرصاص. كما نخرها اللؤم والاذية. اضحت فارغة الا من المقاتلين. سادت الساحة عتمة باهظة. لم يعد ثمة من يبدل الزهور في ساحة الزهور. او من ينظف تماثيل القديسين في الكنائس. او من ينشر رائحة البخور. سادت عتمة. ساد سكون بارد. سادت عتمة وسكون باردين. غاب نور الشمس المعدني. غابت ضجة الشارع الا من اصوات التراشق بالرصاص والشتائم. انعكست عبر الزجاج الملون انعكاسات الالوان الخجلى. ساد القلق. ساد الغليان. سادت الاثمان الغالية.
بحث من في الارض عن السماء. وبحث من تعلق بحبال الهواء بالسماء عن الارض في تلك المرحلة. التهمت الارض الاحقاد والنيران.اضحى لبنان كوبولاياً. اضحى انتاجاً كوبولياً. اضحى بلداً ابو كاليبسياً. عندها : رفعته الرعاية العربية الدولية من حفرته الجهنمية. رفع بقدرة قادر . وقع اتفاق الطائف عام 1989. نظم الاتفاق شؤون اللبنانيين بعد فوضاهم الاخيرة. اننا امام منعطف أشبه بالمنعطفات اللبنانية الكثيرة والاثيرة. ثمة حروب. ثمة نتائج اذن .نتائج مؤلمة. وسط البلد يشبه البلد. الصورة عنيفة في الوسط: سقط المعنى الرمزي للساحة الجامعة. لا غرو في ذلك. ساحة كئيبة بكآبات اللبنانيين. ساحة مهجورة ، اكتسحتها الاشجار والاعشاب البرية ودرزتها الالغام الارضية ضد الافراد والآليات. لا ملامح ولا تفاصيل. بناية مثقوبة او مبقورة او بلا شرفات ونوافذ او اطارات. علقت اجزاء من بنايات الوسط في هواء الوسط، بلقطات اشبه باللقطات السينمائية العظمى. فنادق ومسارح ودور سينما ومطاعم ومكاتب ومحال تجارية: هذا صرح من خيال وهوى. حرب في سلسلة متسلسلة. حرب السنتين 1975 – 1976. حرب الاجتياح الاسرائيلي وحصار مدينة بيروت واقتحامها بجحافل قوات الغزو العنصري الاسرائيلي بالعام 1982. حرب الجبل والضاحية ( 1983 – 1984). انتفاضة 6 شباط (1984). اعلان المقاومة. ثم مقاومة قوات الاحتلال ودحره من بيروت والجبل وصيدا وصور والنبطية (1985). حرب المخيمات وحروب الميليشيات في بيروت ( 1985 – 1987). حرب الضاحية الجنوبية وحروب الجنوب الداخلية (1988). حرب التحرير وحرب الالغاء في بيروت الشرقية. انتهت حروب بعودة القوات السورية الى بيروت. انتهت حروب اخرى باتفاق الطائف. قمع تمرد العماد ميشال عون في قصر بعبدا بالعام 1990. عندها وجد اللبنانيون انفسهم في زمن اضاءته فوانيسه بشكل سيء. شربوا نبيذاً لم يعصروه. قبلها: رفعوا انخاباً لم يستحقوها. سحب الناس براميل نبيذهم مرتبكين وهم يخرجون من ثكنة غفت على شوارع خالية وافاقت على مرحلة ثانية من خطة غير مفهومة. وذلك وسط مئات الآف القتلى والجرحى والمعوقين. احصتهم المؤسسة بهدف حماية المواطنين من النسيان. وبهدف مدهم بما يساعدهم على المستقبل.

المجموع العام بين صفوف المهجرين النسبة المئوية الاجمالية النسبة المئوية بين المهجرين

عدد القتلى 150 الف 100 الف 5% 3.3%

اصابات حرب 200 الف 133 الف 7% 4.6%

( ان نسبة الثلثين من القتلى والجرحى والإعاقات وقعت بين صفوف المهجرين.)

انزلقت الحرب بصخب كبير في لبنان. انها تشبه أي شيء. بيد انها لا تشبه جرساً فضياً صغيراً. باتت الثقة بالعقل جرماً مشهوداً. لا شيء الا الثقة بالاحساس. لا شيء الا الثقة بالغريزة. لا شيء الا ذلك، امام المشهد الذي ينتهي بكل شيء الا بالحكمة: مجتمع مفكك، مشوي، ممزق. مجتمع اهتزت علاقاته او اضحت ارواحاً رقيقة. صار الناس قديسي معجزات وشياطين في غياب الروح الجماعية، الوسيلة الجماعية، الحلم الجماعي. قديسون وشياطين بلا علاقة بقديسي وشياطين العشرين مليون دولار ، منحة الحاكم العربي أو عطيته . بدت الجغرافيا جغرافيا مسكينة. وبالاخص: الجغرافيا الاجتماعية. سقطت دعامات واقواس المستوى المعيشي. تقلصت الموارد ودمرت البنى التحتية. وعطف ذلك على انفجار الدولة وانفخات دف الندماء في المجتمع اللبناني الصغير. وصلت احوال النسيج الاجتماعي الى الاهتراء. ” ازدهرت ميول الانكفاء” بحسب د. كامل مهنا الى الانتماءات الاولية – دون الدولتية.
اصابت الحرب الاهلية اللبنانية جملة عناصر التركيبة الاجتماعية في البلاد. اوائل المصابين؛ اصحاب الدخل المحدود. أجراء وافراد طبقة وسطى شكلت المكون الرئيسي للمجتمع في مرحلة ما قبل الحرب. ولدّ الامر اختلالات اجتماعية كبرى. تراكم المعضلات المزمنة ولد اختلالات اجتماعية كبرى. ابرز ظواهرها احزمة البؤس عند تخوم العاصمة: وهي احزمة حذرت من قيامها وعواقب قيامها دراسة بعثة “ايرفد” IRFED الفرنسية بالعام 1959. أشارت الدراسة الى عمق التفاوت بين قطاعات الانتاج وفئات المجتمع اللبناني. ابرز ما جاء في الدراسة: ان خمسين بالمائة من اللبنانيين ( وصفتهم الدراسة بالفقراء المعوزين) لم يحصلوا الا على ما يقارب 18% من الدخل الوطني. في حين ان 4% من اللبنانيين استأثروا بنحو ثلث الدخل الوطني. طبقة الـ 4% كما اسماها اليساريون. اكدوا ذلك دوماً على جدران المدينة المنخورة بالرصاص والانقسامات الاجتماعية والسياسية الحادة. العجيب: انه لم تمنع الاحتفالات والموسيقى والازهار والحلوى. بقيت هذه تدور على اللبنانيين دورات واسعة في نهاراتهم ولياليهم. ولو ان كعبة البلاد العربية دخلت في مصيرها المأساوي. بقيت اطباق النور تطفو فوق الجميع في لحظات شفاء ملحوظة من الاسباب المؤدية الى الحرب الاهلية: الازمة الاجتماعية زائد ازمة النظام السياسي الداخلي زائد تداخل الصراعات الاقليمية والدولية في البنية الداخلية. افضى ذلك الى حشد الحروب على لبنان. هكذا راحت الحروب تتوالى كحبات مسبحة في يد مؤمن راعش. وهكذا راحت موجات الهجرة -الى الخارج- تتوالى كرشق من المعجزات. وهكذا حدث تغيير بنيوي جذري في التركيبة الاجتماعية والاقتصادية في المناطق اللبنانية بين ساحل وجبل . “انشطر المجال الاقتصادي بفعل تدمير وسط العاصمة”. سقط المجال المديني بمؤسساته سقوطاً مدوياً. نجحت الحرب في تحقيق ذلك. نجحت في تحقيق قيام هجرات، نجحت في بناء مقاطعات ذات روح اقتصادية فاقعة. على الرغم من جهود مختلف الحكومات – في خلال نصف قرن- لم تستطع ان تمنح مقاطعة او سلطة على مقاطعة او سلطة لمقاطعة. حيث الحياة الطف واهدأ الف مرة من حياة في حرب اهلية هجرت قسرياً مئات الالاف الى الاحياء بالاطراف والضواحي. دفع البؤس الارضي الافراد والجماعات الى الانفصال: وجدوا انه رائع. لأنهم بحثوا عن الوديان الوسطى، بعد اقامتهم على الضفاف المتقاتلة المتناحرة. نصبوا راياتهم حيثما حلوا. وجدوا في المناطق الجديدة مناطق ساحرة، قبل ان يكتشفوا ديمغرافيتها المدمرة. غذى هؤلاء نباتات المناطق بدل ان يتغذوا بالنباتات. ساطتهم الرياح القاسية في كل الفصول. ولكن بما ان المقاتلين اصحاب عزيمة، امست الهجرة تقاس بنسب ديمومتها المرتفعة. لا يزال الغاء هذا شرطاً مستحيلاً او متعذراً بحدود أدنى ” على الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة في اعادة المهجرين اثر اعادة بناء الوسط التجاري والمدن والقرى المنكوبة او المنهوبة بآن. ازداد التجانس الطائفي في الشارع هذا، بالحي، بالمنطقة، بالبناية. بخطوط عريضة: اصبح البلد مقسماً الى اقاليم متباينة من زاوية . من زاوية اخرى: اصبح البلد مقسماً الى مقاطعات جميلة، بوجهة نظر المقاتلين وانصارهم من الناس العاديين او هؤلاء من اضطروا الى التعايش مع الطروحات الطائفية الكاسرة. شكل المدقعون ذخيرة لا تنضب هنا. فاحت منهم رائحة اليود في تجمعاتهم القريبة من البحر. كما فاحت منهم روائح الصخور في تجمعاتهم في قلب الجبل. انبثقت مدنً اخرى على حساب المدن القديمة “لأن بيروت بقيت مزروعة بالاشباح”.
الملك صعلوك والصعلوك ملك، هذه معادلة البلاد الجديدة. لم تعد العناصر الكيميائية المحلية تصوغ تلك الانواع الفريدة من عبقرية الانصات. سادت المونولوغات. عبر اللبنانيون ضفاف القرون الحديثة الى ضفاف القرون الوسطى. جسدوا احلامهم وهم يرون البحارة النبلاء يأخذهم البحر في لجته من عالم الرؤى الى عالم الواقع المتكسر. صارت المدينة: معابر وبوابات. تلك قناة لبنان الجديدة. قناة بلا مياه، بلا طبيعة تلتف عليها، بلا نباتات ترتفع عند حدودها. راوحت الحواس في ممارسة الخطأ الجليل: لا انصات الى موسيقى عالية او خفيضة. لا رحلة الى جمال. لأن البشر شابهوا البضائع. ولأن البضائع بزت البشر في قيمتهم. انها اغلى ثمناً في تلك الماكينة الحربية المشرقة بالاحتمالات الطائشة.
سحر اللبنانيون وافتخروا بانتاجهم حربهم وبانتاجهم عجلات تلك الحرب على سكك التجارة والاقتصاد وعلوم الاجتماع ودروب الانسنة. لا شيء سوى حركة بلا بركة. او هجرة و تهجير. نزوح ودفق وتدهور. تلك مصطلحات استعملت في كل شيء وخصوصاً في رصد نتائج الحرب في الصعيد الاجتماعي بظواهره الكثيرة. نزح ربع السكان. قسروا على ذلك. قدر عدد النازحين بنحو 800 الف نسمة ( من نحو 949 مدينة وقرية بينها 82 دمرت كلياً و 91 جزئياً بحسب احصاءات “عامل”) بين العام 1975 والعام1991. هجرة كثيفة الى المغتربات. هاجر 517 الف لبناني الى أوروبا ودول العالم العربي والخليج والاميركيتين. حسبت هجرة اللبنانيين بنسبة 16.2 بين العام 1975 والعام 1991 ( بحسب “عامل” ايضاً).
تدهورت الخدمات الاجتماعية والعامة بالكم والنوع. اولاً: الخدمات التعليمية والصحية والكهرباء والنقل. ثانياً: رصدت عشرات الآف الحالات من الاعاقة واليتم والترمل.
تفرض الحروب التكيف مع الحروب. الحرب حال طارئة. تتكيف المجتمعات والحالات الطارئة في ظروف الحرب الصغرى والكبرى. تكيفت الدولة كما تكيف المجتمع. مجتمع حرب ودولة بقطاع حكومي متراجع. نمت -بالمقابل- ادوار القطاعات الاهلية، نمت في مجالي الاغاثة والطوارىء و تقديم الخدمات الصحية والمساعدات المباشرة، العينية والنقدية. مواقيت مختلفة في مجتمع مختلف. لاطرق حرير بعد، تقود الى شواطىء ناصعة وطيبة. انقلب كل شيء على كل شيء. انقطعت العائلات والبنى الطائفية بأطرها، حين لعبت الدور المكمل في مجال التكافل الاجتماعي: لا سيما بالتعليم واستقبال واحتواء النازحين والمهجرين بعشرات الآلاف وبمئات الآلاف. زد: ما بنته القوى السياسية والعسكرية المحلية من مؤسسات وقنوات لتكرير وتمرير المساعدات باشكالها المختلفة: تحويلات نقدية، مساعدة اسر الشهداء، منح تعليمية، مساعدة المتضررين من القصف والاشتباكات والاجتياحات العسكرية على الارض. ارض معقدة بحبال بلا سلالم. قراءة اديب نعمة في ” الاوضاع المعيشية في لبنان” مفيدة.
حرب واحتياجات. خلقت الحرب آلياتها. خلقت الاخيرة عناصر تكيفها مع الاحتياجات المتنامية. تراجع دور السلطة. هذا صحيح. خسرت الاجهزة ومفهوم المركزة. غير انها استمرت – بقدرة مدهشة – بتمويل الآف العائلات. لم تتوقف رواتب الموظفين ولا تعويضاتهم. تآكلت قيمة الاخيرة بسبب التضخم المضطرد بلا حد، مما ساهم في تقليص الانفاق الحكومي، بسبب موت المردودية. توقفت جباية الضرائب والرسوم. ولم يعد احد يسدد فواتير الكهرباء والهاتف والمياه . بما تبقى من كهرباء وهاتف ومياه. يروي د. كامل مهنا بلغة جسد، رغبت دائماً في تجسير الهوة بين تلك المرحلة وبين الراهن المرحلي. اقام الرجل يراقب وهو يعمل ويعمل وهو يراقب. لم ينقل مراكبه من بحر الى آخر. عاش مشهده بكفاح فتية تملكتها – بسبب التكيف- انواع من بلاغة الجسد. تجاورت لديه الحياة والارقام واللغة والاستعمال المباشر لكل الادوات المتاحة. سعى بذكرياته القديمة الى طمأنة خياله الحديث. ولو ان الوقائع دفعت بكل طمأنينته الى الوراء. لم يهدأ بصره لكي يصف. حين هدأ بصر الطبيب العامل في المجالين الصحي والاجتماعي، لملم بقايا المشاهدات القديمة والمتابعات القديمة، لكي يبين جبل المخلفات في ارض اللغز الكبير لدى اللبنانيين. لم يتخل عن صبره لأجل مستقبل الآخرين. اراد ان يساهم في المستقبل هذا، بلا هناءة ولا ترف ولا هدوء. وهب نفسه، ما سمح له بالانتظار القليل بالطريق الى اكتشاف كل شيء.
تم تنصيب سلطة شرعية جديدة على البلاد مع تلزيمها مشروع بناء الدولة. شاركت في الوقت نفسه منظمات المجتمع المدني في عبء ازالة أثار الحرب على الصعيد الاجتماعي والصحي والتنموي. هذا العبء فرض على هذه المنظمات اعادة التموضع والانتشار – في فترة زمنية قصيرة- وفقاً لجدول اعمال مختلف جذرياً عن ذلك السائد أثناء الحرب. إلا أن اثار الحرب لم تقتصر على المشكلات الآنفة الذكر. تعدتها الى مشكلات من نوع آخر. ذلك ان الآثار النفسية التي ولدتها الحرب في جيل كامل او جيلين من الاجتماع اللبناني، فاقت الدمار المادي المحدث في العمران والاقتصاد. ظهر ذلك على شكل امراض نفسية وعصابات ومظاهر تكيف إلتوائية وانحرافات وإعاقات نفسية وجسدية ودمار معنوي وانحطاط سلوكي وحالات نكوص وحصر وخور وفقدان للذاكرة ورهاب وشذوذ واستحواذ واكتئاب ،وصولاً الى الفصام والذهان والاختلالات العقلية. أي: كل ما حواه علم الاضطرابات السلوكية من اعراض. يذكر هنا: انتشار الادمان على الكحول والمخدرات وارتفاع نسبة حالات الانتحار. فتكت الحرب بالفئات الأضعف والأقل احتمالاً للمعاناة والآلام: الاطفال والنساء والشيوخ والمرضى. غير انها خرّجت في الوقت نفسه ألافاً من الشبان المراهقين الذين اعتادوا الدمار والقتل والقتال كأنماط اعتيادية في الحياة اليومية. ما اعتبروها شذوذا. اذ اضحت في قلب مألوفهمً ( هذا ما أشارت اليه دراسة د. هالة سلام مقصود حول الانعكاسات التي تركتها الحرب على الأطفال، والذين تعرضوا الى ما بين 5 -6 انواع مختلفة من الاضرار خلال طفولتهم). ثمة مشكلات من نوع خاص. مشكلة المفقودين والاسرى، مشكلة تحديد أماكن دفن ضحايا المجازر الجماعية. مشكلة عودة المهجرين الى مناطق الجبل وبيروت ومشكلة بقاء المهجرين من المناطق المحتلة بالجنوب، ومشكلة اتساع رقعة أحزمة البؤس حول العاصمة.
لم تنته الحرب تماماً عام 1990. اذ ان بقاء جيش الاحتلال الاسرائيلي في قسم من الاراضي اللبنانية أدى الى استمرار عمليات المقاومة وتصاعدها، ما دفع باسرائيل الى شن اعتداءات متواصلة على لبنان، اشرسها عدوان 1993 باسم ” عملية تصفية الحساب”. ثم عدوان عام 1996 باسم ” عناقيد الغضب” حين ارتكبت مجزرة بحق السكان المدنيين ذهب ضحيتها أكثر من مئة مواطن لبناني : اكثرهم اطفال ونساء لجأوا الى موقع القوات الدولية التابع للأمم المتحدة.
قام العدو الاسرائيلي بقصف – بالعدوانين – بقصف البنى التحتية والجسور ومحطات الكهرباء والطاقة. الحق ذلك خسائر فادحة بالاقتصاد اللبناني. واذ انتهت الحرب عام 2000 بانتصار المقاومة، قاد الانتصار هذا اسرائيل الى ان تحلم باستعادة ابهتها العسكرية صيف العام 2006، غير انها لم تستيقظ بعد من حلمها بخروج الحلم هذا على جناحي طائره الخيالي الى متره الاخير. عانى الشعب اللبناني -تحت سقف عالمه الجديد- انفجار روح الاعمار الغضة بكلفها الثقيلة. ترافقت باجراءات تقشفية شديدة ، حفرت آثار اجتماعية سلبية على السكان. لأن الخيار الاقتصادي المعتمد ادى الى تفاوت كبير في توزيع الثروة. عمق هذا الهوة بين الفئات الاجتماعية، معيداً انتاج التفاوت بين المناطق . تؤكد الخبرة العالمية المتراكمة: ان البلدان الخارجة من حروب ونزاعات داخلية، ينبغي ألا تعيد الاعمار وفقاً للأسس – نفسها- القائمة قبل اندلاع الحرب. لأن الحرب مخبؤة بالاسس هذه بالذات. مما يعطي الأولوية للأهداف الاجتماعية. يؤكد الكثيرون بمقلب آخر: ان الآثار الناجمة عن الحرب الاهلية في لبنان، لا تقل عن تلك التي نجمت عن الحرب العالمية الثانية في أوروبا – اذا ما قيست بشكل نسبي، وفقاً الى حجم الدولة وعدد السكان. غير ان أوروبا رفعت انقاضها وأعادت بناء اقتصادها وعمرانها بشروط مجتمعاتها بمشروع “مارشال” الشهير. في حين لم يجر استثمار الفرصة التي توفرت للبنان بعد الحرب. لم يجر استثمارها على نحو صحيح بالمستوى الاقتصادي والعمراني و بالمستوى السياسي. بغياب مفهوم الاصلاح والتنمية. لفت الحرب اللبنانيين بدوامتها. لفت العالم بدوامتها. ساد الكذب في البلد. بيد ان الاحداث الشنيعة لم تنطلي على اقوياء القلوب. تابعوها وهي تسحق الابرياء بإفلات الوحش على الجميع. لم يله اللهب، لم يله الذعر من ارادوا ان يربحوا بلداً بعد ان خسروه، لم يلههم عن عن ما يدبر وسط الاشتعالات الخانقة والدخان والمشاهد المشؤومة الفاطرة الوجدان الجمعي في لحظات حاسمة. لن يعود شيء كما هو في سابق عهده. سوف يكتفون بعودته اذن. د. كامل مهنا واحد منهم. اخذه الأمر الى تأمل جغرافيا لبنان الخفية وتأثيرها في الناس. هيأ رحاله. مضى برحلته الاثيرة. رحلة الشغف الموحش والوعر. لم تنته الحرب تماماً عام 1990. تم دمج الواضح بالملتبس، تم دمج الملتبس بالواضح. ثم: سفلتت الارض فوق الشهداء، شهداء “المناطق الشرقية” وشهداء “المناطق الغربية”. تم الدمج، لكي تنتهي الحرب.بيد ان الحرب هي الحرب. سادت اثناء الحرب مصطلحات تعبّر عن جغرافية الأمر الواقع العسكري على الارض. أشهرها مصطلحا “بيروت الغربية” و “بيروت الشرقية”. فصل بين البيروتين خط تماس: طريق صيدا القديمة في الضاحية الجنوبية، الطيونة تقاطع المتحف – العدلية. بالمقابل: السوديكو وصولاً الى ساحة الشهداء ومنطقة الفنادق والمرفأ.

“أحترمت” الجمعيات الاهلية ومؤسسات الدفاع المدني الحدود العسكرية بين الجبهات المتقابلة في جبهتين. وكلما قرب موقع العمل من خطوط التماس تعرض العاملون الى الاخطار المباشرة: القنص، السيارات المفخخة، الالغام، العبوات الناسفة، القصف العشوائي، الخطف والقتل على الهوية. القنص اسوأ انواع الموت. انه الرعب الحقيقي. تولت فرق الاسعاف والدفاع المدني التابعة للهيئات الشعبية في شطري العاصمة سحب الجثث “المقنوصة” اثر اعلان هدنات قصيرة بين المتحاربين. لعبت الهيئات الاهلية دور الموانىء بكثافة الم وبوعي بلا خفة. لا طيش بين حافتين متقاتلتين باناقة متوحشة. لم تجد هيئات لبنان اعذاراً للاختباء بعيداً من العيون المبصرة بالقوة والخيال المسافة الفاصلة بينها وبين الآخر. بدت الهيئات كالرؤى المتسللة في الممرات والقنوات والمسالك . لم يخفض متطوع او محترف سرعة سيارته وهو يدخل في تفاصيل الجهات التي يصنعها التاريخ متذرعاً بالجغرافيا. اخترقت الهيئات الاهلية شوارع البلدات الصغرى والكبرى على عبارات وهمية. وصلت الى شوارع رئيسية. غير انها ضيقة: شوارع مقطوعة باشارات الانذار وبطلقات القنص الآزة بالعقوبات البطيئة غير الفاتنة. تواضع مترف بلا احتمال تفاد. لا وقت للحظة تأمل مجانية. انهم زوار مؤقتون انجزوا عمليات تبادل للاسرى والمخطوفين والجثث بسيارات اسعاف باعلامها واشاراتها. عند خطوط التماس: مراكز طوارىء ومستوصفات ميدانية ثابتة . انها تشتعل ليلاً نهاراً. اضطلعت المراكز هذه بدور فاعل واساسي برعاية واحتضان ومساعدة السكان المقيمين في المناطق المعرضة الى الاخطار. واولئك النازحين بفعل القتال والفرز الطائفي. ان وجود مراكز منتشرة بين الاحياء الآهلة بالسكان -التابعة لمنظمات وجمعيات اهلية وانسانية- شكـّل عامل راحة واطمئنان للمواطنين المدنيين. قدمت تلك المراكز مساعدات مختلفة، بدءاً باسعاف الجرحى وعلاج المرضى والمصابين وتوفير الدواء وتأمين الحاجات والمستلزمات الاولية التي تساعد الأهالي على الصمود في مناطقهم. وقد اولى د. كامل مهنا عناية خاصة بالمهجرين. هؤلاء، من اضطروا الى احتلال شقق سكنية بالقرب من خطوط التماس، افتقرت الى الحد الادنى من شروط الامان والحفاظ على الصحة العامة. لم تنقطع المؤسسات الاهلية والمدنية، عن القيام بحملات توعية وتلقيح واطلاق برامج صحة مدرسية وانشطة اخرى، عبرت باستمرار عن ارادة الحياة بالرغم من سطوة مناخات الموت.
تميز دور المنظمات الاهلية خلال سنوات المحنة بـ: “قبول التحدي”. اعتمدت غالباً: التفكير الخلاق. مرونة وتكيف مع المعطيات المتغيرة وتفاعل مع المجتمع المحلي بـ: “تحمل المسؤولية بمشاركة ابناء الاحياء”. بـ :”التعاون مع القطاع العام والمنظمات الدولية”، بسيادة “روح الفريق والعمل الجماعي” في جو من “التضحية والعطاء”.
تجربة المؤسسات الاهلية خلال سنوات الحرب دليل على ” اهمية المجتمع المدني في لبنان”. تجربة ترمز للسلم الاهلي بمحاولة صيانتها دور الدولة، بالرغم من ضآلة القدرات . “عامل” : حكومة اهلية. بحكماء وخبراء وناشطين في حقول التنمية وحقوق الانسان. وتمكين المرأة وقضايا البيئة وشؤون الامن الانساني. متدربو ادارة الازمات اضحوا حلالوها. انها اقتراح البدائل عن عصبيات الطوائف.
الارقام مذهلة. لا تكاذب متبادل وسط التنافس والصراع. لعل هذا ما يفسر مهمات الهيئات الاهلية المتكاثرة بنزاهة وبصلاحيات بلا ارتهانات. الارقام مذهلة: ازداد عدد المستوصفات والمراكز الصحية من 250 الى 761. يتبع اكثرها الى الهيئات الاهلية. الارقام مذهلة : بلغ عدد الجمعيات المعنية بذوي الحاجات الخاصة عشرين جمعية قبل الحرب. اثناء الحرب. ارتفع العدد الى ثمانين. الارقام مذهلة: وصل عدد الجمعيات بالسلم الى مئتين وخمسين. ارتفع عددها ستة اضعاف تقريباً. بدأت باربعين جمعية. ثم وصلت الى ما وصلت اليه. الارقام مذهلة: تجاوزت اعداد الشهداء والجرحى والمعوقين في الهيئات الاهلية المئات. لن تذكر اسماؤهم. لأن اخفاء الاسماء في تقنيات سلامة الآداء. اننا امام ثقافة اخرى، لا تزال ” عامل تلعب في بنائها ادواراً بالغة الجودة والحيوية في سبيل الانسان ورفعته. لم يتجنب الشهداء الحوادث ولا طوارىء يوميات الحرب. لم ينتظروا ان يرفعوا لهم نصباً تذكارية او لوحات تخليد. حملوا اجسادهم في اكفهم. نصبوها بحكم الضرورة والقناعة. لم يرهقوا كما يفعل مواطنون عاديون في بازار فلتان نسبي او كلـّي. قدمت “عامل” تميزها بشهدائها وفي سياستها المبنية على اللاسياسة بالطريق القانوني للسياسة. مؤسسة ترشح بالانتماء الى البلد. كل البلد. ذلك انها طالما استجابت الى مستلزمات الرشد والمسالك الرشيدة، بمساهمة نافخة على الغبار الملتف حول جوهر لبنان ودوره في محيطه. “عامل” بلا منة. نموذج – لا مؤقت- في بلد مهدد دوماً بالشائبة والبلية.
شكلت مؤسسة “عامل” بوادر انفراج في وعي المواطن وسلوكه في التركيبة الاجتماعية اللبنانية. مؤسسة ضد المسكنات. مؤسسة ضد تعجيز المواطن. مؤسسة ضد الترجمة الحرفية للمواثيق المخطوطة باللغات الاجنبية. ميزت نفسها بالسياسة هذه، كما ميزتها بالمواقف في اصعب المراحل بتاريخ لبنان. ثم انها ميزت نفسها بفريق عمل، على رأسه ابرز رجال لبنان بالمجالات: الاجتماعية والسياسية والتنموية. ميزه دأبه، ميزته اعماله وهو لا يزال طالباً في باريس. ثم مسيرة تجرده ولا طائفيته وتنمويته واستيعابه للتحديات الداخلية والاقليمية والدولية بلبنان. ماهر لا مهارة افراد الطاقم السياسي بلبنان. لذا: لم يمارس الاساءة على احد. لم يبتز احداً. لأنه: حاكم بصلاحيات ذاتية غير مستوردة وغير ممنوحة من الآخرين. متحكم بقراره حين يشاء. متحكم بالمبادرة. انه صاحب مبادرة دائمة. ولمن لا يعرفه: هذا رجل حكيم، هذا رجل متساهل. ولكنه رجل يذبح بخيط الحرير. بيد انه لا يتربص. وان لم يدع صورة حديثة، فهو صاحب طروحات حديثة بمجاله في حيز من الحرية وضمان الملكية الشخصية والحق الشخصي المحض بلا استثناء. لذا: حاز اجماع الكثيرين حول شخصه في احواله. رجل بحقوق مواطن عادي، يبلور رؤاه ويجددها كلما وجدها متبلورة. خطابه خطاب المؤسسة. لذا لن يزيل احد عيب الرواية الاه. لأنها روايته. لأنها حياته المتداخلة في روايته. وروايته المتداخلة بحياته. افضل الرواة راوي سيرته. عامل: جزء من سيرته.
يروي د. مهنا: ” عامل جمعية مدنية ذات منفعة عامة، بموجب مرسوم جمهوري رقم 5832/1994 . هيئة ذات صفة استشارية خاصة لدى المجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدى ECOSOC منذ عام 2001. تحمل شعار: “معاً من اجل التنمية المستدامة”. هي ايضاً عضو مؤسس في ” تجمع الهيئات التطوعية في لبنان”. و ” شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية” و” الشبكة العربية للمنظمات الاهلية” وفي ” المجلس الدولي للجمعيات التطوعية” و منظمتي “سيفيكوس والتالر”. لها علاقات شراكة مع عدة جمعيات وشبكات ومنظمات. ابرزها: منظمة الصحة العالمية، برنامج الامم المتحدة الانمائي، المفوضية العليا للاجئين والاتحاد الاوروبي. يروي د. مهنا بدون ان يشير الى انه حاز أوسمة عدة: وسام الارز الوطني من رئيس الجمهورية اللبنانية السابق الياس الهراوي. وسام جوقة الشرف الفرنسي من رئيس الجمهورية الفرنسية جاك شيراك. درع نقابة الاطباء في لبنان. لن يشير الى سلة اوسمة اخرى، لم يجد ارتفاع منسوبها حجة لدى صاحبها، لكي يجد لها مساحة بارزة في منزله او مكتبه.

يروي ، لكي يحدد اهدافها:
1- ان توفر للجميع :الحق في التعبير، الصحة، التعليم، السكن، العمل، الغذاء، البيئة السليمة، بمعزل عن الجنس والعقيدة والدين.
2- تمكين الفئات المهمشة من المشاركة في العملية التنموية وتشجيع المبادرات المحلية والتقويم المستمر للبرامج وتصويبها بما يتلاءم مع حاجات الناس وتطلعاتهم.
3- اشراك النساء في الاستراتيجية التنموية للمؤسسة وتعزيز دورهن الريادي في المجتمع.
4- اشراك الشباب في البرامج التنموية، لا سيما التعليمية والتدربية منها وتأهيلهم لتحمل المسؤوليات القيادية مستقبلاً.
5- تعزيز التنسيق مع الهيئات الأهلية، محلياً اقليمياً وعالمياً من أجل قيام مجتمع مدني، بشراكة دائمة مع القطاعين العام والخاص في البرمجة والتخطيط والتنفيذ: من اجل تنمية مستدامة.

برامجها الرئيسة:

1- برنامج تنمية القدرات البشرية. هدفه: توفير المعرفة والمهارات كأدوات اساسية للتنمية المستدامة.
2- برنامج الرعاية الصحية. هدفه: التثقيف والوقاية والعناية الصحية من اجل توفير الصحة للجميع.
3- برنامج التربية القائم على مبادىء حقوق الانسان والمواطنة والحوار. هدفه: تقبل الآخر وصولاً الى التنمية المستدامة.
4- برنامج الصحة النفسية والمواطنة. هدفه: تشجيع التعبير الحر والابداع كأدوات علاج ووسائل فاعلة في المشاركة.

لا يزال الرجل يحلم. حلمه خطابه الخفي. حلمه استنارة شخصية واستجابة الى الآخرين في ساحة مفتوحة على الرحابة وضد تصفية الحسابات او سربلة الطاقات او قمعها. لا يزال يحلم بـ:

– انشاء ” بيت حقوق الانسان” في مبنى عامل الرئيسي في بيروت.

– تعاونية زراعية في اطار برنامج التنمية الريفية.

– انشاء دار للمسنين ومركز لعلاج الامراض العصبية والنفسية في منطقة صور.

يروي د. كامل مهنا بلسان محارب للتفكيك والتقسيم والتفتيت، المبادىء التي تسترشد بها مؤسسة “عامل” في نشاطها العام : الانسانية، عدم التمييز، التطوعية، الاستقلالية، الوحدة، العالمية، التوجه بشكل خاص الى اضعف الفئات من خلال برامج تساهم في تخفيف آلام الفرد وتوعيته، دون النظر الى دينه أو جنسه أو لونه أو عقيدته السياسية. باختصار: سعي دؤوب لبث المبادىء والقيم الانسانية وصون الكرامة البشرية.

عملت المؤسسة منذ تأسيسها على نبذ ثقافة الانقسام والفرز الطائفي والعصبية والقبلية والعشائرية. نادت بالخروج من سجن القبيلة الى فضاء الوطن الواسع. تجنبت حروب المصطلحات وحروب الشعارات، بأن دخلت صلب المواضيع عن طريق العمل المباشر. حيث وظفت الطاقات في مجالاتها وأماكنها المناسبة.

عنده: انه في ظل الواقع المكرّس منذ عقود في لبنان والمنطقة العربية، حيث تسود ثقافة التنظير السلبي. وفي ضوء التجربة الطويلة في “مؤسسة عامل” المدنية والشبكات المحلية والعربية والدولية. رفعت المؤسسة رؤيتها المجددة الطامحة الى مستقبل واعد بازالة المعوقات وبرفع الحوافز التي ينطوي عليها خطاب المؤسسة المميز بلا اوهام معالجة او لقاءات دون جدوى. باختصار: شعار المؤسسة: التفكير الايجابي والتفاؤل المستمر، بروحية تنأى تماماً عن الشعاراتية الفارغة والأبي ملحميات

( ابوملحم/ بطل حلقات “يسعد مساكم” على تلفزيون لبنان). شعار ممسوك بهمة اجتراح العجائب. وبرغبة تد وير الخطى بعيداً من السلطة السياسية المهيمنة على طائفة او مذهب، باعوجاجات السلطة. شعار في مقابل شعار ” الهدم على يدي ولا البناء على يد الغير”. ارتفع منسوب الشعار هذا بارتفاع منسوب النجاحات المحققة فيه وعبره. لا لغو و لا اشتقاق اولاً. بل حاجة الى محاربة ازدياد الفقر وتعطيل قدرات الطبقة الوسطى على التمتع بمستوى حياة مقبول. ثانياً: اعتماد خطة الثلاث ميمات: مبدأ، موقف، ممارسة ( فكر ولسان وعمل). انه ماندلي الهوى هنا: وسط عمق الفوارق الاجتماعية بين اللبنانيين واستقواء العصبيات الطائفية عليهم. ماندلي الهوى باعجابه بطروحه الملائمة: توفر الرؤية يحفز على تطبيقها بمساحتها العملية. بمقدورنا ان نغير العالم بتوفر الاثنتين. ثالثاً: اختصار اسلوب العمل مع الاصدقاء والمحايدين والخصوم في المجتمع بالتالي: توثيق العلاقة بالاصدقاء. العمل على تحويل المحايدين الى اصدقاء. السعي الى تحييد الخصوم، بعكس الثقافة السائدة في مجتمعاتنا، “حيث نختلف حول القليل الذي يفرقنا ونهمل الكثير الجامع” .
رابعاً: التركيز على قيمة ” نظام القدوة” كقوة دافعة ومحركة للآخرين للاقتداء بالنماذج والرموز الكبيرة. ذلك ان الطبقة السياسية في لبنان لم توفق في اعطاء أفضل ما عندها. لذا: حاولت منظمات المجتمع المدني – ولا تزال –اعطاء الافضل من اجل الانتقال من ثنائية السلطة والرعايا الى ثنائية الدولة والمواطن. ليس لتغطية عجز حاصل. بل لزيادة الموارد وتحصين الاحتياط المحلي البالغ الاهمية في بلاد انبنت على الاستيراد في واقعة مخيفة.
انطلقت مؤسسة “عامل من مبدأ. ان لا سبيل الى الخروج من ازمات محتمعنا الا بالعمل مصحوباً بالمثابرة والتضحية. تم اختيار اسمها في ضوء المبدأ هذا بالانسجام مع ذهنية العمل المشترك. انها مؤسسة مدنية اجتماعية تنموية وطنية، تحمل من وجع الحرب وآلامها بقدر ما تحمله من الارادة والطموح الى مجتمع تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية. يرمز
اسمها ايضاً الى ” جبل عامل”: عنوان الحرمان والبؤس بالطموح الدائم بالتغيير. يرمز اسمها الى ” العامل”. لما يمثله العامل من معاناة ومن قدرة على العطاء والمثابرة. وهي حرصت على ربط ولادتها بأحداث وطنية كبرى تحت قوس دورها الاجتماعي والانساني والوطني، معتبرة ان عملية التغيير في المجتمع هي مسؤولية الاحزاب السياسية بالدرجة الأولى.
لم تمتلك ” عامل” امكانات مالية ولا مقراً منذ تأسست. عندها: اعتمدت عيادة رئيسها ( في منطقة البربير – بناية عمودي سنتر مقراً مؤقتاً). ثم: بادرت الى القيام بحملات تلقيح في مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية من بيروت، حيث شارك في كل حملة حوالي مائة متطوع، بين طبيب وممرض وممرضة واداري.
جرت الحملة الأولى في منطقة البقاع باسم ” اللجنة الوطنية لمهجري ابناء الخيام. بانتظار الحصول على العلم والخبر من وزارة الداخلية. تميزت المرحلة هذه بروح عالية من الاندفاع والعطاء. اذ قدم بطاقات التلقيح والمطبوعات احد اعضاء “عامل”. تكفل المتطوعون انفسهم كلف انتقالهم من منطقة الى اخرى. بدورها تكفلت “المجالس السياسية” التابعة لـ “الحركة الوطنية” في مختلف المناطق اللبنانية باطعامهم. اما اللقاحات: جرى تأمينها من وزارة الصحة العامة ومنظمة اليونيسف. شملت الحملات اثنين وعشرين الف طفل (22 الفاً) تم تلقيحهم ضد الشلل والثلاثي ( شاهوق – خانوق – كزاز) والحصبة. الاهم انه خلال الحملات هذه: انجزت ابحاث ودراسات اجتماعية اولية تناولت 75 قرية وبلدة ومنطقة. رافق الحملات هذه: مندبون من جمعيات اجنبية مانحة ساهموا في نشاطات ” جمعية النجدة الاجتماعية”. كما ساهموا في فتح عدد من المراكز لـ “عامل” . اولها في منطقة ” وادي ابو جميل” التي لجأ اليها قسم من مهجري النبعة وسن الفيل وبرج حمود ما بين عامي 1975 و1976 في “حرب السنتين”. قدم المطبوعات مجاناً عضو الهيئة العامة في المؤسسة الدكتور ابراهيم قبيسي ( رئيس الجامعة اللبنانية سابقاً) الذي كان يملك مطبعة ودار نشر مع شريكه صديق المؤسسة د. رياض الصمد.
بقي للاخت أديل منزي، الايطالية، الفضل في بناء علاقات بهيئات اجنبية مانحة. عملت حوالي 13 سنة مع ” مجلس كنائس الشرق الاوسط”. ثم في ” النجدة الاجتماعية”. “حيث عملنا معاً”. اعتبرها مرشدة لي في العمل الانساني. وقفت الى جانبي في مرحلة التأسيس عبر قيامها بتوجيه رسائل شخصية الى اصدقائها في الخارج، خاصة جمعية EPER السويسرية التي ساعدتنا خلال الحرب. ثم انها اوصلتنا الى بعثات الجرحى الى ايطاليا واميركا بالاتصال بدبلوماسية صديقة لها في سفارة ايطاليا في لبنان والسيد عابدين حيارة امين اللجنة العربية الاميركية لمحاربة التمييز في الولايات المتحدة الاميركية والذي كان يزور لبنان في تلك الفترة وتربطه صداقة بها. اخبرها عن رغبة اللجنة (ADC) باستقبال جرحى لبنانيين وفلسطينيين في المستشفيات الاميركية .”عندما، التقيته في مركز “عامل” تم الاتفاق فيما بيننا على نقل الجرحى الى واشنطن”.
انطلقت “عامل” فعلياً عام 1982. حدث هذا ابان الغزو الاسرائيلي للبنان. غزو اوصل الاسرائيلي الى حصار بيروت لمدة 88 يوماً، تعرضت خلالها العاصمة اللبنانية الى القصف بكل انواع الاسلحة في حوزة الجيش الاسرائيلي، براً وبحراً وجواً. بمواجهة الوضع المأساوي هذا – بعد اضطرار العديد من المستشفيات الى التوقف عن العمل بشكل قسري نتيجة الاعمال الحربية في مناطق تعج بالسكان المدنيين- تم الاتفاق مع وزير الصحة اللبناني آنذاك د. نزيه البزري (في مكتبه الواقع في منطقة المتحف) على تجهيز مجموعة من المستشفيات الميدانية، في ملاجىء عدد من الابنية، بالتعاون بين الوزارة والهيئات الاهلية.
بادر الوزير البزري الى ترجمة الاتفاق هذا بناء على اقتراح ” عامل” وممثلي الهيئات الاهلية، بأن كلف الصيدلي حسني شبارو تأمين الادوية والمعدات الطبية الضرورية لتجهيز المستشفيات الميدانية. حازت “عامل” ثلاثة من أصل ستة مستشفيات ادارتها الهيئات الاهلية. الاولى في مدرسة راهبات البيزونسون في وادي ابو جميل (الحي اليهودي سابقاً). الثانية: في منطقة المصيطبة بالتعاون مع ” مفوضية الصحة في الحزب التقدمي الاشتراكي”. اما الثالثة: في مبنى بلدية حارة حريك في الضاحية الجنوبية.
واذ تدهور الوضع الامني باضطراد في تلك المرحلة – خاصة في منطقة المتحف المحاذية لمقر وزارة الصحة حيث تمركزت الدبابات الاسرائيلية- تعذر على وزير الصحة العمل في مكتبه. إذاك: اعتمد المستشفى الميداني التابع لمؤسسة “عامل” في مدرسة راهبات البيزونسون مقراً مؤقتاً للعمل والتنسيق مع مختلف الاطراف.
تزايد سريع في تحسن مستويات المقاومة الطبية في مقابل قوة، ليس من السهل التصدي لها، بارهابها المكتوب بالآف الوقائع المخيفة بلا بريق. لاكمت المؤسسات الاهلية اعتى جيوش المنطقة بتجربة تجهيز المستشفيات الميدانية. ثلة قليلة. بيد انها ناشطة ومؤمنة و قوية : ” النجدة الشعبية” و “مفوضية الصحة في الحزب التقدمي الاشتراكي” و “جمعية الاسعاف الشعبي” و “مؤسسة عامل” الى مستوصف لبنان الواحد. بالتعاون مع اجهزة الدفاع المدني والمتطوعين. لم يمارس احد الافرقاء حق الفيتو على احد. لأن احداً لم يملك مخططاً للسيطرة المطلقة على ذلك. استنكروا همجية العدوان الاسرائيلي. وبادروه بمبادرات من اعيرة ثقيلة. شكلوا طاقماً واحداً في مسيرة علاج القضايا الراهنة بطموح وضع مسودات جديدة لمناهج النمو والاستقرار المجتمعي. عبروا من اجل ذلك شؤوناً يومية ويوميات ذات شأن في خطة محكمة، متأملة، لانقاذ البلد من الطغيان والهرطقة والكذب والموت المبرمج. اشرف على المستشفى الميداني في مدرسة راهبات البيزونسون في وادي ابوجميل عضوا المكتب التنفيذي لـ “عامل” د. غسان عيسى ود. قاسم علوش بالتعاون مع د. محمد برجاوي والمرحوم ابو منيب بيضون مسؤول اللجنة الشعبية في وادي ابو جميل. والاخت ماري من راهبات مدرسة البيزونسون. تعاون هؤلاء مع اللجنة المشرفة على المستشفى المؤلفة من: فايز طه وابو سليم مغنية وفيصل ايوب وحسيب غندور ونايفة كركي ومحمد صولي ود. احمد عبيد ود.فؤاد مرعي وعشرات المتطوعين والمتطوعات.
تطوع في مستشفى الثلاثين سريراً، طبيب في الجراحة والامراض النسائية :د. فاليري، الروسي الجنسية (جاء من مركز عمله في دار التوليد بالبازورية). كما تطوعت: راهبات المدرسة ومجموعة من الناس العاديين كوداد الملا، سميرة جابر، ميسم حيدر. وتردد عليه: اطباء من المؤسسة واطباء من جمعيات اخرى. امّن المستشفى خدمات صحية متنوعة. ولادات واسعاف وعلاج مرضى. ساهم بشكل فعال في اسعاف وانقاذ جرحى الشاحنة المفخخة التي انفجرت قرب فندق الهوليداي إن. استقبل اربعين جريحاً. عولجت فيه الاصابات الخفيفة والمتوسطة. تم نقل الاصابات الخطيرة بواسطة سيارات الاسعاف والدفاع المدني الى المستشفيات المتخصصة. ثم انها اقامت حملات واسعة للتبرع بالدم. ولم يقتصر الامر عند الحد هذا، اذ قام المتطوعون في مركز البيزونسون ، بتوزيع مياه الشفة على الاهالي. باشروا بحملات رش مبيدات وتنظيف شوارع وغيرها من الاعمال التي توقفت بلدية بيروت عن القيام بها بسبب ظروف الحرب. غير انه في الخامس من آب عام 1982: اصيب المستشفى بقذيفة اسرائيلية. سقطت القذيفة على الطابق السفلي حيث تقطن الراهبات. اصيب د. فاليري بجروح واصيبت الراهبة ماري بكسر في فخذها. كنا نقلنا الجرحى والمرضى، الالات والتجهيزات من الطابق الارضي الى ملاجىء المدرسة، جراء قصف البوارج الاسرائيلية في الأول من آب العام 1982. سقطت قذيفة على سطح مبنى المدرسة – المستشفى الميداني – دب الذعر في صفوف الجرحى والمرضى. اخذ جاد يبكي ويصرخ. جاد ابن تسع سنوات. بتر القصف الاسرائيلي ساقه اليسرى. عالجناه في المستشفى. حاولنا تهدئة روعه، اذ ظننا انه خائف من القصف. غير انه أجاب بانفعال: انا لا ابكي، لأنني خائف من القصف. بل لأنني قلق على والدتي الموجودة في منطقة الروشة. أخشى ان تصاب بأذى. “نضج اطفالنا قبل الآوان. لأن جاد هو واحد من نماذج أطفال عانوا وتحدوا في آن، بظل ظروف خطرة”. لا حلوى بالحليب. ولا مساحة تحت الشمس، لكي يلعب الاطفال فيها. طفل في ساحات السلاح. لا يتلهف الى عيش الافضل في مدينة بلا نظافة وبلا حدائق. مدينة تعلوها قبة من السموم والالوان السامة والطائرات الاسرائيلية الجاعرة في الفضاء، اثر قتلها اطفالاً في مهودهم وشيوخاً في مهاجعهم وعصافير طائرة بين صفاء سماء وبورصة قتل بلا سندات. ارتفع مؤشر د. كامل مهنا في تلك الايام بتحديد انشاءات المستقبل: لا مستقبل بلا اطفال. لا حياة بلا كرامة في بيروت.اقامت بيروت معادلة أخرى ايامها: كرامة العالم امام شجاعة الاطفال.
كلما تولـّد التهاب في المدينة، ادرك الكل أن البؤر الجرثومية بؤر خارج. رمت البؤر هذه جراثيمها بالأيدي وعلى الارض والادوات وفي البحر والجو. أضحت المدينة بجو غرفة عمليات. ولكي لا يموت اللبنانيون اثر استنشاقهم مواد الاحتلال السامة. ولكي لا تتقرح جلودهم وتبظ عيونهم أو يصابوا بالتهابات كلوية أو صدرية. لكي لا يصابوا بآلة الافتراء، حللت البلاد اساليب طيبة، حتى تقيم حياة اللبنانيين ضد الطيور الجارحة الخفية والظاهرة. طيور جاهزة للإنقضاض الخفي. لكي لا تعمم سياسة السطوح الوسخة، ارتفعت المنتجات الدقيقة المصنوعة محلياً. ارتفعت ثم كثرت. ارتفعت كالشك. احدها: المستشفى الميداني في المصيطبة. انه زمن المستشفيات الميدانية. حيث لا شيء الا الميدان. عمل المستشفى هذا، مستشفى واقع في شارع العنتبلي بمنطقة المصيطبة، تحت اشراف مجموعة من الاطباء. بينهم: عضو الهيئة الادارية في “عامل” ومفوض الصحة في الحزب التقدمي الاشتراكي د. بهيج عربيد و د. غسان عيسى ود. حسين شحرور ود.منيب حلواني و د.عبداللطيف قرانوح ود. هيثم العارف، بمساعدة مجموعة من 40 متطوعاً ما بين طبيب وممرض واداري من لبنان والخارج. جاء معظم المتطوعين الاوروبيين والاميركيين هم من: “جمعية اطباء بلا حدود” و “جمعية اطباء العالم” (Medcins du monde) – (Medcins sans frontiére). دعم الجهاز التمريضي في المستشفى باسماء كثيرة ، يذكر د. مهنا منها: زهرة قبلان، نايفة كركي، محمد صولي. تميز المستشفى هذا بقدرته الاستيعابية. سبعون سرير. تميز المستشفى هذا بقدرته الاستيعابية: مئة مريض باليوم الواحد. حالات ولادة، عمليات جراحية باشراف جراح – من اصل هندي – يحمل الجنسية السويدية. وآخر الماني من جمعية “يوهانتر الطبية”.وقع، خيارنا على مبنى شاهق ، انشأنا مستشفى المصيطبة الميداني في طبقاته الارضية لكي نحميه من غارات الطيران الحربي الاسرائيلي. شغلت الطابقين الارضيين مجموعات مسلحة من “الحزب التقدمي الاشتراكي”، بقيت هناك الى ان قام د. مهنا برفقة رئيس الحزب وليد جنبلاط بزيارة الى الملاجىء برفقة د. بهيج عربيد. تم اخلاء الطابقين من العناصر المسلحة. اثرها: بدأت عملية تجهيز غرف العمليات وتأمين التهوئة والمياه والكهرباء. تأمين كل ما يلزم العمل الصحي الميداني في ظروف شديدة الصعوبة والتعقيد بامكانيات محدودة وبسرعة قصوى . زارهم خلال عملية الاعداد: المرحوم د. فتحي عرفات رئيس جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني . انشأ الرجل مستشفيات ميدانية اهمها مستشفى كلية اللاهوت للشرق الادنى في منطقة رأس بيروت – شارع الصوراتي. ثبتت عند واجهته يافطة ” اللجنة الطبية المشتركة اللبنانية الفلسطينية”. رفعت اليافطة ذاتها على مدخل كل مستشفى ميداني انشأته اللجنة. طلب د.عرفات من رئيس المؤسسة الانضمام الى اللجنة هذه. غير انه رفض، لكي لا تدبر السماء فاجعة اكيدة. لم يحتج د. مهنا الى اشياء كثيرة كي يسعد . لن يأتي سعده من شراكة، لن تغني الطرفين، لأن شراكتهما سوف تعني انتصار احد على الآخر، بدون ان يخوضا معركة او حرباً. أجابه: انشأنا المستشفيات الميدانية، بالتعاون مع وزارة الصحة العامة. انها بتصرف الجميع. وسواء تشاركنا او اشتغلنا فرادى: تبقى القضية الفلسطينية قضيتنا. الحلقة المركزية في الصراع العربي – الاسرائيلي. الا انه بقي مصراً على طلبه. وتحت عدم استجابة د. مهنا الى رغبته، التف الى د. بهيج عربيد. كرر الاخير امامه الموقف ذاته بتوضيح: ان ما نقوم به معاً يتم في اطار لن يبرز احد فوق الآخرين، بظل العلاقة اللبنانية- الفلسطينية الواضحة والشائكة والملتبسة بآن. المستشفيات والملاجىء ليست ادوات شيطانية. قد تضحي كذلك بتلبية الطلب.
التنسيق والتعاون المشترك. وهذا يكفي. اتمام اتفاق ضمني بين د. كامل مهنا وذاته ، لكي لا يوسم منتصر محلي بوسم. اتفاق حرص على الاستقلالية اثر تكاثر الشكاوى من سياسة الاحتواء التي مارستها بعض الاطراف ضمن التحالف اللبناني – الفلسطسني.
جاءت “عامل” الى العالم ذات يوم تحت سقف سياسي وأمني متفجر. لذا يقص د. كامل مهنا على رواية تلك الحقبة، حقبة السيل المدوّي في تاريخ لبنان. حقبة اللهجات السابقة في مطبخ لبنان الغريب، بمطبخ العالم الاغرب. ولدت المؤسسة بدون خضوعها الى قواعد، لأنها ولدت بقواعدها. لن تقع طي النسيان ابداً. لان الولادة في حرب. تمنح حياة ثانية وثالثة ورابعة. هذه المؤسسة لن تموت : لأنها ولدت بالحرب .ولانها ولدت بقواعدها. ولانها ولدت باسماء ذات وزن في المجال السياسي والاجتماعي.
قراءة تاريخ “عامل” تستوجب تفحص الحرب. حيث ان الحرب مساحة “عامل”. وطأت المؤسسة حجارتها وترابها في تلك المرحلة. نقلت المتاعب الى ابطالها ونقلت حسن الحظ: الى اللبنانيين. نفخت في وجوههم نفسها، لكي تنقل اليهم حسن الحظ. وهين فعلت. وخصوصاً في الثلاثين سنة الأولى من حياتها. سنوات موت وحذر ودمار وحياة وحياة وحياة. الحياة قصة طويلة في حياة “عامل” . لذا تتطلب روايتها صبراً وسماعها صبراً. لم يضع خيطها على طرقات الموت والدمار، في بحثها عن الحياة. لذا لم تقع في اليأس. لذا، لم يقع ابطالها في اليأس. لذا لم يقع اللبنانيون الذين عاضدوها وعاضدتهم في اليأس. لن يستعاد ذلك بصفحات عديدة. صفحات “عامل” كثيرة. الا ان الرواية على الورق، عليها ان تتفادى الطول والتطويل. الرواية على التخوم، هذا صحيح. الرواية تستطلع القلب، هذا صحيح ايضاّ. لأنها رواية نقوش ومنحوتات. رواية اجزاء. غير انها ليست احجية.
اثر مجازر صبرا وشاتيلا الشهيرة: سرت شائعات عن اقتراب قوات سعد حداد المتعاملة مع اسرائيل من حدود المناطق الشعبية اللبنانية بالمنطقة الغربية: طريق الجديدة، منطقة ابوسهل ، كورنيش المزرعة، بربور. وغيرها. يقع تاريخ الاشاعة بين 16 و18 ايلول من العام 1982. يومان على مجازر صبرا وشاتيلا. حيث استشهد مئات الفلسطينيين واللبنانيين الفقراء برصاص ورؤوس حراب القوات الاسرائيلية و”القوات اللبنانية”. اغتيل بشير الجميل. اثرها:نفذت واحدة من اشرس وابشع المجازر بالقرن العشرين. حملت الاشاعة صور الشهداء والتمثيل بهم الى سكان وقاطني تلك المناطق. هالهم ما حدث في صبرا وشاتيلا. لذا: اندفعوا هاربين من مناطقهم واحيائهم السكنية وزواريبهم الى المناطق الاخرى، حيث الجيش اللبناني. وخصوصاً عند كورنيش المزرعة. لجأ قسم من الهاربين الجزعين الى المستشفى الميداني الخاص بـ “عامل” في المصيطبة. نخرتهم صور الليالي الماضية المضاءة بالقنابل المضيئة. اطلقت الآف القنابل المضيئة، لكي يجد القتلة ضحاياهم بيسر وسهولة. النتيجة: اكوام من القتلى والجرحى والمعوقين. هرب جزء من الفزعين الى المستشفى الميداني في المصيطبة. عشر طبقات غير منجزة . عشر طبقات قيد الانجاز. “مشهد رهيب. عشرات العائلات المتدافعة الى المبنى، يرتدي افرادها ثياب النوم. اخذوا على حين غرة”.
سمع الناس صياحاً تبعه صياح. هكذا بدأت الاشاعة. راحت الناس تردد ما سمعته بدون ان تتأكد. حتى غدت الاشاعة حقيقة لدى اهالي المنطقة. حمل بعضهم الاولاد. حمل بعضهم العجائز. وجد الآلاف فجأة في الشوارع. بيد ان شباباً جاءوا بعكس التيار، حملوا اسلحتهم الفردية دفاعاً عن المنطقة والناس. شبان ملتحون وشباب بلا لحى. قاوموا امواج الناس الهاربة بامواجهم الصغيرة. بارقة مقاومة، بارقة أمل. بارقة أمل ضد الخوف والحصار وهجمات الفدراليين والكونفدراليين.
يروي د. كامل مهنا ان المشاهد هذه اصعب من مشاهد حرب مباشرة. مشهد ثابت، مشهد غير مفكك وسط خراب عام. يروي د. كامل مهنا ان المشهد اصعب من مشاهد حرب تل الزعتر وبرج حمود والنبعة وسن الفيل، حيث طبب. واصعب من غارات طائرات الفانتوم المتتالية على الدامور، حيث قبع مهجرو تلك المناطق. بدا الناس دائماً كقطع آثاث منشورة على الطرقات. قطع ناطقة، خائفة، مذعورة، مكبرة، مرسلة ببطء من جراء الاحتشاد، الى مركز المدينة. وصل صبر الناس الى الاقصى. عادوا – مع ذلك -الى بيوتهم بالليلة ذاتها، وهم يجرون جلاجل الحادثة الكبرى. بالمقابل : يروي د. كامل مهنا عن رواية بعض المتطوعين اثر دخول القوات الغازية بيروت – بعد مجزرة صبرا وشاتيلا- ان القوات هذه قامت بعمليات تفتيش واسعة عن مسلحين لبنانيين وفلسطينيين. ارادت اعتقالهم. دهمت البيوت والمراكز العامة. دهمت مراكز المؤسسات الصحية وغير الصحية. داهمت مستشفى المصيطبة الميداني. طوقته اولاً: ثم داهمته بحثاً عن مقاومين مسلحين. لم يعثر الاسرائيليون سوى على مرضى وجرحى مدنيين. عندها: استولوا على غالون مياه خاص بالشرب. اجبروا احد عناصر الدفاع المدني – المتطوع رضى زعرور – على الشرب منه . هددوه بالاسحلة حتى يتأكدوا من خلو الماء من السم. او اية مواد سامة. اساء الاسرائيليون الحكم على كلف الاجتياح. ظنوا ان الاجتياح نزهة بحرية بين الدلافين وعرائس البحر. خاب ظنهم. عندها: شكوا في كل شيء. عندها: خافوا من اي شيء. مارسوا ما مارسه ملوك القرون الوسطى وعصر النهضة، بتبديل القطط بالناس. يقدم الملك صحنه الى قطته. اذا اكلت يأكل.اذا انفت يأنف. قدم ملوك اسرائيل الماء للناس لكي يشربوا. اذا شربوا شربوا.
جرى الشغل في المستشفيات الميدانية، لن يقاس دورها – بظل صعوبات هائلة- بحجم الخدمات ونوعيتها. بل بأهمية وجودها في ظل عدم توفر خيارات بديلة. (تم علاج عشرات الجرحى في مستشفى المصيطبة: منهم من أصيب اثناء قصف بيروت . ومنهم من أصيب في مجازر صبرا وشاتيلا. تآكل الوضع باختلال موازين القوى السياسية بسبب الاحتلال الاسرائيلي. اهدي المشهد هذاالى الجدد. هكذا : قامت الجهة المؤجرة الملاجىء- المحولة الى مستشفيات ميدانية- باقامة دعوى لدى القضاء اللبناني ضد رئيس المؤسسة وضد د. بهيج عربيد بحجة: وضع اليد على الملاجىء هذه واحتلالها بصورة غير شرعية. تبين ان المدعي شخصية عامة معروفة ويتبوأ مراكز هامة. الا ان المدعي العام طربيه رحمه رفض اصدار مذكرة توقيف بحق المدعى عليهما، اذ علم بوجود جرحى ومصابين في الملاجىء. اكتفى باصدار قرار بأخلاء الملاجىء ( من اجل وضع دواليب سيارات). غير ان مدعياً عاماً آخر ( لن يذكر د. مهنا اسمه) اصدر مذكرة توقيف بحق رئيس المؤسسة ود. عربيد. ان الموقف المشرف لمسؤول المنطقة في قوى الامن الداخلي العميد فضل ضاهر – الذي تربطه علاقة مودة واحترام بالمؤسسة ورئيسها والذي يعرف جيداً انجازات “عامل” – اقام مساهمته ضد الموقف الباهت الطالع من صندوق جليدي متآكل حين لم يستجب الى التبليغ من قبل المخفر. بالمقابل: اتصل د.عربيد بالاستاذ وليد جنبلاط – وهو المواكب لانجازات المستشفى وجهاز الدفاع المدني. اتصل الاخير بدوره برئيس الحكومة وزير الداخلية شفيق الوزان طالباً تدخله . تلك مرحلة لم تتغنى بالسمعة لدى بعض الناس بل بالخسة بالاستقواء بالقوات الاسرائيلية. علق رئيس المؤسسة على ما حدث: “افتح مستشفى تدخل سجناً، ارتكب مجزرة تصبح وزيراً ” . انه بحرنا الجديد. سوف يقود الناس سفنهم في البحر هذا وكأنهم بطريقهم الى ارض الذهب.
اشرف على المستشفى الميداني في حارة حريك د. سهيل صبّاح – عضو مكتب التنفيذي. عاونه د. فؤاد فرحات و د.علوية فرحات : عضوا الهيئة الادارية في “عامل”. كما عاونهم فريق من الاطباء الاخصائيين بينهم جراح عراقي (يدعى طارق) ومتطوعو الدفاع المدني. تعرض المستشفى للقصف من قبل الجيش الاسرائيلي، على الرغم من وجود شارة صليب احمر كبيرة على سطح المبنى، تدل على انه مستشفى ( كما حدث تماماً في مدرسة راهبات البيزونسون). هذه ليست بقايا حياة. هذه ليست متشابهات . المستوصفات مستوصفات. القصف قصف. انهما يلعبان دورين متناقضين. يشعر ناس المستوصف بالمسؤولية. ويحرر القصف قواه من أية مسؤولية. يحررهم من أية وثيقة. يحررهم من كل الوثائق. يحررهم من كل مدخرات البشرية على الصعيد الانساني. أضحى المستوصف قلعة حربية عند الاسرائيليين. لن يشفع به صليب احمر او ابيض او ازرق. الشفاعة شفاعة الله. امام جبروت العائلة العسكرية الاسرائيلية، المتلقية فوائد القصف مباشرة بعشرات القتلى والجرحى والآف الخائفين. استقبل المستشفى جرحى ومصابين بالقصف على الضاحية الجنوبية. لم يشفع له ذلك. استمر الاسرائيليون يقصفون عشوائياً، كما لو انهم آلهة بحار احاطتهم الامواج المرغية والمخلوقات البحرية السفلية الطالعة من كعب البحر المحفور حفراً غائراً في الارض.قدمت المستشفيات الميدانية خلال 88 يوماً من الحصار الاسرائيلي لمدينة بيروت والضاحية الجنوبية خدمات علاج: 2459 جريحاً. تابعت 23095 مريضاً. أجرت 649 عملية جراحية كبرى و200 عملية ولادة. بالاضافة الى: توزيع 37770 وحدة دواء.
لم تدم الصورة طويلاً. لم تبقى على حالها. لم يسهر عليها احد حتى ماتت. ذهبت الايام الصعبة الى القبر بزي كرمليات حزينات. غرق الناس في حزن الايام الاخيرة، بعدها اقيم قداس مغنى من اجل راحة من ماتوا، بانتظار من سيموت. بدت البلاد قريبة من النهاية. خافوا. وخصوصاً وان موتاتهم هي موتات بلا اي عنصر ترف . وجدوا ان حصاراً جديداً سوف يفتح في كتاب خطايا البلاد. انهم على حق في ذلك: وهم يستشعرون دنو الخطر الاكبر في تاريخ لبنان الحديث: حرب الجبل والضاحية الجنوبية. بدت الحروب الاخرى حروباً محدودة في مقابل الحربين الجديدتين. لم يبق من قوة الناس الا القليل. سقطت لحظات المجد القديمة والجديدة والمحتملة بالمستقبل. أمر مؤسف. ذلك ان اللبنانيين بدوا وكأنهم شيدوا بيتاً غير معقول. لذا: تعرض دائماً الى قصف المهندسين والعسكريين سواء بسواء. تنافس الكل على هذا. غير ان “عامل” القائمة على صفيح ساخن، صخب حضورها وتعزز دورها انذاك. استحدثت برامج طوارىء، معززة علاقتها بالهيئات الاهلية الاخرى بعمل مشترك مجيد: ليست هذه استفادة من ظرف طارىء أو ظروف جديدة. بالعكس. اخذ البلاد حدسها الى فصول مأساة جديدة. قفز الربان من سفينته لكي يقودها بيديه الى مراسيها، حيث طحين المرحلة الجديدة. خسر الكثيرون سفنهم وارواحهم عام 1983. حنق الكثيرون. ترك الآف الناس البلاد، ترك الآف الناس منطقهم وقراهم، لاهثين خلف نجاة قابعة خلف نجاة خلف نجاة خلف نجاة. لم يسلم الرجل بهزيمة مجتمعه، لم تسلم المؤسسة بهزيمة مجتمعها. تركا الحسابات الماتيماتيكية والحسابات المصرفية الى القاب نبالة جديدة.
شهدت الفترة هذه تطورات سياسية وامنية شبيهة بتلك التي حصلت غداة الغزو الاسرائيلي للبنان وحصار بيروت ( انتخابات رئاسة الحمهورية – نشوء شرعية جديدة في قمة السلطة). جاء الرد سريعاً في انتفاضة 6 شباط عام 1984 في بيروت الغربية والضاحية الجنوبية. انقلب الشارع على السلطة المركزية. انقلبت قواه السياسية والاجتماعية والاقتصادية على السلطة. انقلبت الاحزاب الطائفية والعلمانية بآن على السلطة الجائرة، المفتونة بتلميحات السلم الواهن بالاتفاق الضاغط. (ابرزها الرئيس نبيه بري وحركة أمل) بالتحالف مع اللواء السادس في الجيش اللبناني. عندها: استنفرت الهيئات الاهلية امكاناتها. فتحت مراكزها امام الحالات الطارئة واستقبال الاصابات. وتقديم المساعدات الميدانية للناس. سهرت المؤسسات على الناس حتى صمدت او ماتت. سهرت عليهم بدون طأطأة راس حتى آخر نفس، ممسكة بين يديها بالزمام بصلف شديد. ولو بقدرات لا تفي قوة الحدث.
أنشأت ” عامل مجدداً مستشفى ميدانياً في مدرسة الشياح ( بالتعاون مع الدائرة الصحية في حركة امل) ومراكز طوارىء في حي السلم، برج البراجنة (بعجور) ، وادي ابو جميل، حي المعلم، منطقة صفير والطيونة. ارسلت الى منطقة الجبل والشوف عدداً من اطبائها وبعض الفرق الطبية الاجنبية والمحلية الصديقة ومعدات جراحية وسيارات اسعاف. ارسلت الدفاع المدني : وزع الاخير انشطته وعمله على مختلف مراكز المؤسسة، بالتنسيق مع الهيئات الاهلية ووزارة الصحة العامة وهيئة انماء الضاحية الجنوبية. لا تبجح هنا. ولا كلام بالمجان. بل اشراف من المؤسسات على مراكز الطوارىء والمستوصفات التي أنشئت في الضاحية الجنوبية. اشراف مؤنسن وفاعل ومسؤو ل وبمبادىء و كتابة واضحة. اشراف من الدائرة الصحية في حركة أمل، اللجنة الصحية التابعة للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، مؤسسة الشهيد كمال جنبلاط، النجدة الشعبية اللبنانية، هيئة الاسعاف الشعبي، مراكز الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة، الصليب الاحمر اللبناني، اتحاد غوث الاولاد، مستوصف الضاحية، بالاضافة الى مؤسسة “عامل”. جمعٌ بين المؤسسات هذه برابط بين شرقها وغربها، اشبه بخطوط السكك الحديد. راهنت الاخيرة على قطاراتها فوق خط التواصل السريع، في سباق محموم فوق خريطة متفجرة.
يروي د. كامل مهنا : ان هيئة انماء الضاحية تاسست بقرار من الحكومة اللبنانية بعد توقف الحرب في المنطقة هذه. هدفها: اعادة تأهيل واعمار ما دمرته الحرب باشراف وزارة الصحة العامة والشؤون الاجتماعية والاشغال العامة والموارد المائية والكهربائية.اقرت الهيئة خطة على الصعيد الصحي شملت مستوصفات وزارة الصحة والشؤون الاجتماعية بالاضافة الى الجمعيات الاهلية: مستوصف وزارة الصحة في برج البراجنة، مراكز مصلحة الانعاش الاجتماعي في الغبيري وحارة حريك وبرج البراجنة، المراكز الصحية التابعة للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في مستشفى الزهراء والمستشفى الايطالي بالاوزاعي وجهاز الدفاع المدني، مراكز الدائرة الصحية التابعة لحركة “أمل” في الشياح وحارة حريك وبرج البراجنة وحي السلم والاوزاعي، مستوصفات البلدية في الشياح ومارون مسك وكنيسة مار مخايل، مستوصفات الضاحية الجنوبية، مستوصف الشهيد كمال جنبلاط في الشياح، مراكز “النجدة الشعبية” في الغبيري وبرج البراجنة، مراكز الصليب الاحمر اللبناني في المريجة ومستوصف نقّال في بئر حسن، مركز الاسعاف الشعبي في بئر حسن، مستوصف اتحاد غوث الاولاد في حي السلم، مستوصف الضاحية في الغبيري، مراكز مؤسسة عامل في برج البراجنة والمشرفية وحي السلم وصفير والمستشفى الميداني في المدرسة الرسمية لـ “عامل” في الشياح. اشرف على المستشفى الميداني في الشياح الاطباء: د. سهيل الصباح، د. محمد برجاوي، د.حسين طهماز، د. محمد الخليل والممرضتان سميرة جابر وميسم حيدر ابو عباس وعدد كبير من المتطوعين. اشتغلت “عامل” بأناة الطوبوغرافي خط علاقتها بالناس . انبجس الماء حيث وضعت يدها. دقت كل مساميرها بأيدي اعضائها، لكي تعبر القاطرة البلاد بأقل الخسائر المحتملة. أنشأت مراكز صحية ودوراً للتوليد ومستصوفات في كل من البقاع وجبل لبنان والشوف والجنوب وبيروت. جازفت، اقترضت، صرفت، تباحثت، تشاركت، اكدت لكل الذين شاركوها، انها ترقص وتغني، انها تؤدي بهمة وبشكل ممتاز. خففت من قوة حضور المشهد المروع الجديد. لم يبد ابطالها اي مزاج سيء وهم يمضون في ليالي لبنان المشؤومة ليلة اثر ليلة. لم تصل الى ما وصلت اليه بالمال او المادة فقط. بل بالاخلاق الحسنة والسحر والتودد. عاشت بكرمها الذاتي.عاشت من كرمها. عاشت ضد الشرذمة ومفهومها. انفقت بلا حساب . كتب عليها ان تمضي فقيرة، لأنها انفقت على بلاد باسرها. لم تكتفي بذلك. اهدت الفائض دائماً في نوبات كبر عظيمة.
أطلقت “عامل” حملات تلقيح ضد الامراض المعدية وبرنامج للصحة المدرسيةومشروع لتأمين الدواء (الدواء المدعوم) بالتعاون مع “تجمع الهيئات الاهلية التطوعية” ووزراتي الصحة العامة والتربية واليونيسف ومنظمة الصحة العالمية. تعزز دور المؤسسة في التجربة كباقي الهيئات الاهلية. اطلقت – اثر ذلك- مبادرات عديدة كرست دورها في الالتزام بقضايا المواطنين. تمثل ذلك بشراء مبنى من سبع طبقات ( بعد خروج المحتل الاسرائيلي من بيروت) في منطقة حارة حريك وقطعة الارض عند مدخل مدينة صور لغاية انشاء مستشفيين مركزيين. شكلت هيئة رعاية وطنية للمشروعين برئاسة د. سليم الحص والرئيس نبيه بري ( كان وزيراً في تلك الفترة)، الرئيس فؤاد السنيورة ( اقترحه الرئيس الحص وكان من المقربين منه)، النائب وليد جنبلاط. ثم الوزراء: د. عبدالرحمن اللبان، د. صلاح سلمان، د.علي الخليل، د. رضا وحيد، الاستاذ طلال سلمان، المطران جورج حداد، د.حسن عواضة، السناتور جيمس ابو رزق رئيس الـ ADC (الجمعية العربية الاميركية لمحاربة التمييز)، د.جيمس زغبي رئيس جمعية ” Save Lebanon” ( أوفدت “عامل” بالتعاون مع هاتين الجمعيتين حوالي مئة جريح للعلاج في المستشفيات الامريكية)، د. صباح الحاج، د.حيان حيدر، د.أمال شماع، د.كامل مهنا (امين السر)، د.درويش شغري.
بالمقابل، تألفت الهيئة الادارية لمؤسسة “عامل” من:
د.كامل مهنا رئيساً، محمود سويد نائباً للرئيس، ياسر نعمة أميناً للسر، د.فؤاد فرحات أميناً للصحة، جورج ناصيف أميناً للثقافة، طارق متري أميناً للعلاقات العامة، د. عباس مكي اميناً للتربية، د.زياد نجا أميناً للمالية، د.علوية فرحات أمينة شؤون الطفل والام، السيدة انجيلينا الباشا أمينة للشؤون الاجتماعية،. مستشارون: د.بهيج عربيد، د.مازن طه، جوزف سماحة.

تألف المجلس التنفيذي من:

د.كامل مهنا، د.درويش شغري، د.غسان عيسى، د.قاسم علوش، د.فايز هادي، د.سهيل صباح ود.سامي الطفيلي. والأستاذ أحمد عبود أسماء ترفع اسراً. اسماء مجازفة اغوتها فكرة “الجبلة المختلفة”. واغوتها فكرة توافر الماء في بلد قصه العطش. اسماء بلا اسهم. ولكن بحضور اكيد. وبخطة عامة هدفت الى انشاء مراكز صحية في مختلف المناطق. اعتمدت من أجل الغاية هذه الخارطة الهرمية المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية.

1- مستوصف لكل 5000 نسمة.
2- مركز صحي اجتماعي لكل 30 – 50 الف نسمة.
3- مستشفى من مائة سرير لكل 200 الف نسمة.

قامت “عامل” بشراء مركز في منطقة المشرفية (الشياح) واستئجار مراكز في حي السلم، برج البراجنة، حي صفير ومنطقة بئر حسن. اطلقت المزيد من المشاريع الصحية والانمائية حيث بات لديها 27 مركزاً أنشئت وفقاً للحاجة والوضع الصحي والاجتماعي في المناطق الشعبية. جهزت المراكز والمستشفيات الميدانية بما هو متوفر لدى الهيئات الاهلية. تم شراء المعدات من موازنة وزارة الصحة العامة. ساهمت منظمة “اليونيسف” بتقديم مولدات كهربائية وكميات من الادوية جاءت من مصادر متعددة. امنت الادوية من الهبة المقدمة من المملكة العربية السعودية الى وزارة الصحة. أمن جزء من المازوت المستخدم لتشغيل المولدات من قبل الاهالي كهبة. قدمت الناس المازوت من الخزانات الموجودة على اسطح البنايات: تضامناً مع الهيئات الاهلية في دورها الانساني والوطني من جهة، وخوفاً من تركها عرضة للقصف الاسرائيلي من جهة ثانية. كما تم تأمين المياه من الآبار الارتوازية الموجودة في المنطقة. مجازفات بمجازفات . مجازفة اخرى خاصة بالكادر البشري – الطبي والاداري والتمريضي- تأمين الكادر العام من كوادر الهيئات الاهلية. لحقهم: عشرات المتطوعين من أطباء وممرضات من جمعيات ودول اجنبية صديقة تدفقت للعمل في لبنان مع الجمعيات الاهلية، بجو تضامني قل نظيره في ظروف خطيرة ومعقدة، “تجلت خلالها اسمى القيم الانسانية وسادت روح التضحية والعطاء لدى كل متطوع وكادر في سبيل الانسان وحقه في البقاء”.
صار للمؤسسة مؤسسات معلمة على خريطة لبنان. هواية جمع أثيرة بلا طمع شخصي او جماعي. اننا امام ما يفوق التصور في حالات. اننا امام ما يفوق الوصف بحالات أخرى. انتماء الى التراب والدم والوظيفة العضوية. اننا امام أناس منذورين .او نذروا انفسهم لـ: “البطولة” و “القدسية” بدون احتفاليات خطابية او اخلاقية بائخة. لن يصدوا احداً، لن يعللوا الصد لأنه لم يحدث. جموع برغبات هائلة: لن يعترف د.كامل مهنا بذلك تماماُ، بعد مرور اربعين عاماً على ذلك.
انسحبت قوات الاحتلال الاسرائيلي- عام 1985 – من مناطق الجبل وجنوبي بيروت والقسم الشمالي من جنوب لبنان ( صيدا – النبطية – صور تحت ضغط المقاومة اللبنانية المتصاعدة. بقيت اسرائيل محتفظة بما عرف لاحقاً ” بالشريط الحدودي المحتل” : اقضية بنت جبيل – مرجعيون – حاصبيا- جزين – البقاع الغربي – وأجزاء من قضاءي النبطية وصور). المشاهد الكبرى تتلوها مشاهد عجيبة. لن يرتدي وقت ملبسه حتى يخلع وقت آخر ثيابه. في تلك الاثناء: اندلعت في بيروت الغربية اشتباكات بين المجموعات المسلحة بغية السيطرة على الاحياء والشوارع الداخلية في العاصمة. وازاها اندلاع اشتباكات بين الفصائل الفلسطينية في مخيمات بيروت وبين حركة أمل واللواء السادس في الجيش اللبناني. سميت المرحلة مرحلة “حرب المخيمات”. شد الكل ابازيم احذيتهم. لكي يتقاتلوا بلا رأفة . انشغلوا بأكل اللحم الحي. انشغلوا بأكل القصبات الهوائية والرئات والقلوب. قضى اللبنانيون اشهراً طافية فوق احواض الدم المستحدثة واصوات الموت المعدنية. قدموا شباباً و شبات بلا حساب. قدموا المدينة، قدموا البلد. ودعّوا روائح الغاردينيا وهو يستقبلون روائح غير طيبة البتة. تمزقت آخر الثياب الحريرية المخبأة بالمستودعات. لا مجوهرات زائفة ولا ذهب براق ولا فضة فقيرة ولا تنك خفيف. خفة ما بعدها خفة. مضى الجميع معلقين بديك مخصي، ديك ملعون، ديك مناسابات مقتلة ومقتلات. بظل الظروف المأساوية هذه – وهي ظروف أشد خطراً وتعقيداً من الخطرالسائد اثناء الغزو الاسرائيلي- جرت الاشتباكات في الشوارع الداخلية والزواريب الضيقة. لا خطوط تماس بين المتحاربين. لا فسح . بل ضيق مساحة جرت فوقها اشرس المعارك واصعبها . اختلط الحابل بالنابل. قاتل الكل الكل، بحيث لم يعرف في بعض الاحيان من يقاتل من. كأنها حرب اشباح. بظل الظروف هذه: بقيت مراكز “عامل” شغالة في وادي ابو جميل والشياح وبرج البراجنة (حي بعجور) والمشرفية وحي السلم ومنطقة الصفير. قامت بواجباتها الميدانية باستقبال الجرحى والمرضى والمصابين من كل الفئات. وفرة بلا شحم، ربطاً بالكلام على اكل اللحم. كاد الانزعاج يقتل الصابرين والطيبين والعائشين بمناطق القتال المتداخلة. انحسرت مساحة الارض. ضاقت. بقيت “عامل” تتمتع بحرية الحركة بين مختلف المنطق والاحياء. لم يعترض المتقاتلون على حريتها، على حقها، وسط الهيجانات الشهوانية الجموحة لديهم. وقائع تقود الى استنتاجات بسيطة، يقدمها د. كامل مهنا .دل الامر هذا على الثقة الكبيرة التي منحتها الاطراف للمؤسسة بدورها الوطني والانساني.لا يعود ذلك الى مكر رخيص أو خبث مبرمج، بل الى عمليات تهدئة الالم. لم تسرق المؤسسة ثروة أحد ولا هيبة أحد. لم تسرق حقاً أو مصلحة. بقيت تلعب على حبال الهواء العاصف. غذت حضورها بالتوازن. لم تشح بوجهها عن أحد. مدت يداً. وكلما أخذ الآخرون يدها بحب ساد وجهها ملمح سلام كبير. مدت الجسور مع الجميع على قاعدة احترام المهام الانسانية بتقديم المساعدة الطبية والاسعافات الاولية للمحتاجين لها دون النظر الى انتماءاتهم الحزبية او الطائفية او المذهبية.لم تسىء التصرف. تقدمت بقوة مثيرة للأعصاب. فاق هذا حاجتها لكي تستقبل المخرمين بالرصاص أو المقتولين بالشجاعة أو بضراوة عداء الآخر. تعويم ميداني شكل خرقاً نوعياً للوضع السائد انذاك. وضع بسمات حمى غير مكتشفة . انقسام وفرز. ثانياً: تصنيفات بالانحياز الى هذا الطرف او ذاك داخل الصف الواحد. قدمت “عامل” المساعدة الطبية والاغاثة الى الجميع بدون تمييز . لعب شباب الدفاع المدني دوراً هاماً في المرحلة هذه. أشاعت انشغالات المؤسسة اجواء صمود ايجابي عبر البرامج والمشاريع ذات الطابع السلمي والتنموي (كحملات التلقيح ودورات تعليم الخياطة وغيرها). عنت تلك: أن هناك مجتمعاً حياً في لبنان، بالرغم من آلة الدمار الوحشية الفتاكة بكل شيء. لم يقتصر الامر على استقبال الجرحى والمصابين وتقديم الاسعافات الضرورية لهم: تقطيب وتضميد الجروح،نزع الشظايا والرصاص من الاجساد، التعامل مع الاصابات الخطيرة بنقل اصحابها الى المستشفيات المتخصصة عبر محاور القتال، مع ما يعنيه ذلك من مجازافات قام بها افراد الدفاع المدني وسائقو سيارات الاسعاف. لم يقتصر الامر على ذلك. بل تعداه الى استقبال حالات طارئة من نوع آخر. كما حصل في مستشفى الشياح الميداني. حين نقل اليه عشرات المصابين ( حوالي مئة اصابة) بالتسمم من جراء تناول لحم الدجاج والمايونيز من مطعم محلي. وجد العاملون انفسهم بين مئة مصاب وسط احوال امنية شبه مستحيلة. طرقات غير سالكة. طرقات غير آمنة. تعذر نقل هؤلاء الى المستشفيات. اذاك: صار مركز الشياح مركزاً يضج بأنين المصابين المتألمين وصراخ ذويهم. أمكن اسعاف الجميع بعد أن تم إحضار كمية كبيرة من الأمصال لهذه الغاية. “هذه الحادثة وغيرها عززت علاقات الثقة بالمؤسسة من جانب اهالي المنطقة، ما دفعهم الى اتباع سلوكيات تكيفية ايجابية مع ظروف الحرب”.
اضحت المؤسسة وسيمة وطموحة ومالكة، تحت غضب الافرقاء اللبنانيين والاقليميين والدوليين. مؤسسة ضخمة حية ومرحة، ممولة جيداً وغير طائشة البتة. مؤسسة جسورة، لم تتخلى قط عن حب الناس ومساعدة الناس، في بلد حروب توجت بهدنات ، طويلة الامد او قصيرته. هدنات شهدت انتقامات لا تنسى واهانات هدمت علاقات قوى واسقطت عشرات الآف القتلى والجرحى بتواطىء قوى متحدة، وغدة، لا تحسد على عزمها في المجال هذا: عزم المؤسسة خفف قليلاً او كثيراً من عزمها. خففت من الامراض والاعراض. غزت بذلك ارواح الناس. لن يشعر رجل بالشيء ذاته حين يرى شيئاً لم يساهم في بنائه. عنـّفت الحرب البلاد. ولكنها لم تشعر الآخرين بالجهوزية، قدر ما شعر بها ابطال منذورون، حاولوا أن يدافعوا عن لبنان واللبنانيين قدر مستطاعهم . لم تشغل د. كامل مهنا رغبة . اخذه حياء دائم وهو يعبر ازمنة الظلمة باتجاه الضوء. ليست هذه تجربة عدم. ولا سيرة اشمئزاز. اخذ الاشياء بالمزاج الحسن والرغبة بشم نسمات عطر بعيد. اطلقت “عامل” برنامجاً وقائياً هدفه رعاية الام والطفل باشراف د. فؤاد مرعي بالتعاون مع جمعية “أطباء بلا حدود” البلجيكية. شمل البرنامج مراكز المؤسسة في بيروت وجبل لبنان والبقاع والجنوب: مستوصفات عرسال، بعلبك (الشروانة)، شمسطار، حي السلم، بعجور (برج البراجنة)، الشياح، وادي ابو جميل، البازورية، يانوح، الشعيتية، صور. تضمن اقامة ندوات توعية صحية للامهات الحوامل اولاً . ثانياً: مراقبة طبية مجانية. ثالثاً: حملات تلقيح ضد الامراض المعدية للاطفال عطفت على تأمين منشورات وملصقات توعوية خاصة بالموضوع.
تم اعتماد مراكز انطلاق في كل قضاء من أحد مراكز “عامل” باشراف أخصائية حضرت خصيصاً من بلجيكا. تضمن البرنامج تدريب ثلاثين فتاة على برامج الرعاية الصحية الاولية. ثم توظيفهم، في نهاية فترة التدريب لكي يشتغلوا في البرنامج. ولكي يقوموا بزيارات ميدانية الى المنازل حتى يتابعن الامهات الحوامل ويساعدهن على اجراء الفحوصات الدورية خلال فترة الحمل. وكذلك: حثهن على الولادة في المستشفى. لا في المنزل. بغاية متابعة المولودين الجدد صحياً ووقائياً.
نفذ البرنامج هذا بين عامي 1987 و 1989. استكمل لاحقاُ بالتعاون مع جمعية Santé sud الفرنسية بين عامي 1992 و 1994 بأشراف د. وفاء القنطار. يؤكد د. كامل مهنا: لعب المركز الصحي في بعجور (برج البراجنة)، بدار توليده، دوراً هاماً بمتابعة البرنامج وتنفيذه. اشرف على المركز د. فايز هادي بالتعاون مع د. غازي بيضون. داومت فيه مجموعة من الاطباء الاخصائيين، بمساعدة قابلات قانونيات وممرضات منهن: سميرة كركي، نجلاء ابو مرعي، ايمان الحسن. هذا طرف المؤسسة. غير ان الطرف الآخر بقي عند ضفة القتال بذرائع عديدة. استفحلت الاوضاع الامنية في بيروت الغربية عام 1987. ما عادت الحياة حياة. ولا عاد الموت هو الموت. هذا ما كرره المواطنون يومياً وهم يتابعون الانحلالات الغريبة الضاربة في لبنان. النتيجة: دخول قوات الردع العربية بيروت بشبه اجماع.بطلب من الهيئات السياسية الرسمية والدينية. وضعت حداً للأقتتال الدائر . بيد ان حرب المخيمات استمرت. ثم لم تلبث ان اندلعت حرب الضاحية الجنوبية والجنوب بين مقاتلي “حركة أمل” و “حزب الله” في العام 1988.سقطت غريزة الاخوة. تدحرجت الدموع خرساء على خدود الامهات والاخوات بلا صوت تحت اصوات المعارك.اصوات بدوي. اصوات آكلة. يكفي سماع الاصوات هذه ، حتى يشيخ سامعها ويصبح هشاً. لن يربت احد على ظهر أحد مواسياً. اهتز الجميع بالحنق أمام القتال الفضائحي. لن تدرك عاطفة ابناً محتضراً. وصية جديدة .غير انها: اذ خلت خربت. رقص المحاربون كالأوز. عذب رقصهم مدنيي البلاد الحزينة. وجد سيئو الحظ حظهم القليل باستمرار الصراع بين المؤسسة والصلف. بين المؤسسة والحلف. “عامل” ليست مجبرة على شيء. غير ان ضغوط راحات الاكف الخفية والواضحة، حولت يديها المقفرتين الى يدين خضراوين.
لن يردد الرجل توسلات ولن يغضب. ولن يلتقي احداً تحت كومة ملاءات في عتمة غرفة. أمسك بيديه، فركهما. ثم رفعهما. وجدهما دافئتين. بلا انهاك ولو بشدة تعب. بقي خفيفاً كما في شبابه في تجربة شكلت انشغاله الاعظم: تجربة من ذهب مطلية بالمينا. لم تقف سياسته عند الابتهالات. راح يقلب اوراق اجندته، لكي يصل الى كتابة بكل شيء الا بالصابون.
لذا: سمح لسيارات اسعاف “عامل” فقط بسحب قتلى وجرحى الطرفين. شعر د. كامل مهنا بوخزة حزن اليمة، شعر بوخزة الم حزينة وهو يتابع وقائع الاقتتال الدامي. كأنهم مسوخ بحر وقراصنة وهم ليسوا كذلك. تابع ذلك بعينين حفريتين، حادتين: ولكنهما صافيتان. تابع الرجل النحيف البنية، غير انه لم ينحن. بقي حزيناً في غرفة المعاينة. وفخوراً في غرفته الخاصة. فخور بدور المؤسسة وثقة الناس بها: ناس يتسلقون على سرائر اللحظات العابرة بين الحياة والموت. استعاد شريط الذكريات في النبعة وتل الزعتر وكامب شرشبوك. حيث سرائر المعاينة القليلة والعمليات الجراحية الكثيرة. عري يثير الشفقة. تخطاها وهو يفرك جلد الوضع السميك والجاف بروحه التواقة الى ما أمر به بالمرة الاولى. وهو لايزال طالباً جامعياً مشاكساً، مناضلاً، بفرنسا.
عيون محتقنة بالدماء وبطون منتفخة أومبقورة. اجساد بلا دقات قلب فوق سرائر المعاينة. لطالما راقب: الطبيب يستقتل بمحاولة الاستماع الى دقات المصاب المجروح او المقتول. يستقتل باخذ نبض الداخل من رسغيه وكتفيه وكعبيه كي يتأكد من وجود حياة ولو بسيطة فيه. اكباد ممزقة ورئات منتهكة. كل ما يثير الغضب والشفقة هنا. كل ما يثير الروايات هنا. لا يستطيع احد ان يتحمل مهنة المقاتل بدون حسابات الحياة والموت. الحياة هنا. والموت هنا. بينهما: احزان الناس وافراحهم. كأن رائحة تبغ قوي – رديء- احتلت المدينة والضاحية والجنوب و ثياب المقاتلين الجرحى والموتى. لم يأخذ الرجل استراحة منذ عشرات السنين. تبعته المؤسسة دائماً. عافيته من عافية المؤسسة . مرضه من مرض المؤسسة. انها مؤسسة معافاة. غير انه اراد لها العافية بظروف اخرى وشروط اخرى. غير انه صارع الاحساس بالغضب، الاحساس بالعجز المريع، الذي يحاصره في العادة، حين يتأكد كم هي قليلة امكانات عمله، وكم هي هائلة معاناة الآخرين. وهي معاناة مهنة ومعاناة عيش ومعيش. وجد الطبيب نفسه في سلسلة متعاقبة من الحروب الداخلية المدمرة. ضمرت الحياة. ولم تضمر الحروب. استمرت بلهفة من تأكد بأن احداً لن يضع نهاية لها: استمرت بلهفة من حكم على الآخرين بعدم القدرة على الامتناع عن ادمانها. كلما قطع الناس طريقاً، كلما وصلوا الى منطقة: وجدوا حرباً.
حربهم الجديدة ” حرب التحرير والالغاء” ، آخر الحروب الداخلية قبل اتفاق الطائف.وقفت “عامل” في تلك المرحلة في فوهة بركان. اعلن الجنرال ميشال عون عام 1989 – رئيس احدى الحكومتين حينذاك- بدء “حرب التحرير” بهدف اخراج القوات السورية من لبنان. استمرت الحرب هذه شهوراًعدة. تبعتها حرب اخرى بين “القوات اللبنانية” والجيش اللبناني التابع للجنرال عون. مسرح الحرب الاولى شطرا العاصمة بيروت: الغربية والشرقية وبعض اطراف الجبل. وكذلك زحلة والبقاع. مسرح الثانية: المنطقة الشرقية ومحيطها.- اقسى الحروب – عند د. كامل مهنا- “حرب التحرير” . حيث اضطر سكان “بيروت الغربية و “بيروت الشرقية” الى النزوح الكثيف عن العاصمة. لم يترك البيارتة بيروتهم طوعاً ولا قسراً الا في “حرب التحرير” .حرب مجنونة بلا ضوابط ولا معايير. يروي: تدمرت البنى التحتية اللبنانية في “حرب التحرير” يروي: كثرت القمصان الملطخة بالدم في “حرب التحرير”. نظر الكثيرون في لبنان الى سماء مخملية سوداء في “حرب التحرير”. سماء لا تشي الا بالموت. موت باشكال جديدة. “حرب التحرير” حرب انتحار. فتح اللبنانيون سيقانهم – فيها- فوق حافة سفينتهم المجنونة،. قبل ان يتركوا اجسادهم تسقط في بحر الموت بضجيج و بلا ضجيج. حرب بهدنات متقطعة تبدأ عند صباحات الصباح الاولى. وتستمر حتى الثانية عشرة ظهراً. ثم لا تلبث ان تندلع. تندلع في فترة ما بعد الظهر وطوال الليل. بيروت في حرب التحرير: جحيم. بيروت في حرب التحرير: مدينة اشباح خائفة.
بقيت مراكز “عامل” في العاصمة والضاحية الجنوبية مفتوحة. لم يسلم من القصف مركز واحد. هطلت القذائف والصواريخ بغزارة في الشوارع. اذ تبارت المدفعية الثقيلة التابعة الى جيشين نظاميين باستعراض قوة، هتك ودمر وقتل وهجًر سكان بيروت. سابق رجال الدفاع المدني الموت، وهم يقومون بنقل الجرحى والمصابين والجثث الى المستشفيات والمراكز الطبية. لأول مرة: تعطلت بعض المراكز التابعة للمؤسسة جزئياً عن التحرك ( حدث هذا في الجولات الأخيرة من الحرب) من شدة القصف وبسبب نزوح قسم كبير من السكان عن العاصمة وضواحيها. لم يبق من تهتم بهم مراكز المؤسسة. طفشوا بمئات الالاف، حيث لا قياس ولا معيار. وحيث البؤس هو السيد الاوحد. هو و الموت. وضعت المؤسسة نفسها طوعاً في مناطق النزوح الجديدة. اذ تدفق النازحون الى دار التوليد والمركز الطبي في البازورية. اذ تدفق النازحون وجدوا في مراكزها لكي يتلقوا العلاج والمساعدة الطبية.عندها: دعمت بكادرات جديدة في حياة استثنائية: (صور، يانوح، الشعيتية..) اشرف على اعمال المراكز هذه د. درويش شغري – عضو الهيئة الادارية في المؤسسة. يروي د. كامل مهنا: من مأساوية الاوضاع السائدة في العاصمة والمناطق في تلك الفترة، اضحى الهم الاساسي للناس ولرجال الدفاع المدني، تأمين البنزين والغاز والخبز. بدونها تتوقف سيارات الاسعاف والنقل عن الحركة ويعم الجوع. لن ينسى: ادت عمليات القصف المتبادل الى قطع الطرقات (طريق بيروت – دمشق). عطلت حركة المرفأ والمطار. ثم جاء اشتعال خزانات النفط في المنطقة الشرقية وإهراءات القمح في المرفأ ليقضي على آخر أمل بالحصول على تلك السلع الأولية الاساسية. وهو في سرده ذكرياته استعاد ما قاله احد أطباء المؤسسة. استعاده لأنه تبناه. وجد فيه صوته. وجد فيه لغته. وجد فيه صورته المكسورة. “جسدت الحرب هذه الذروة التي وصلت اليها الحروب الاهلية. عبرت بعمق عن جنون الالة الحربية التي فتكت بالبلد. انها المرحلة النهائية للانهيار النفسي والمعنوي لدى اللبنانيين. دفعهم ذلك، الى قمة اليأس، قبل ان ينقذهم “اتفاق الطائف”. ولو انه لا يعوض عن واحد بالمئة من الثمن الذي دفعوه”. هذا بلد الحروب الاهلية والاقليمية والدولية. لبنان بلد متوسطي، بحري، يوناني، بلد محكوم بالموت. ثم بالقيامة. بلد محكوم بالحياة بعد الموت. محكوم بسفر أهله. محكوم بعودتهم اثر سفرهم. محكوم بروح ومناخات مسرح سوفوكل ومسرح يوروبيدس وغيرهما من كتاب الدرامات والملاحم الاغريقية. بلد يقع بين الحساد والاتقياء. بين الجيرة والغيرة. بين القوة والثروة والفقر والفاقة والضعف. بين حربين من حروبه: حرب . عند حربين: حرب. بعد كل حرب حرب. حرب وراء حرب . حروب اسرائيل على لبنان : حروب أقاويل وحقد وغرور. وحروب خطط استراتيجية حربية وجودية وتجارية.
16 آذار 1978 قامت اسرائيل بعدوان واسع على جنوب لبنان. نتج عن ذلك احتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. جرت ادارتها من قبل جيش الاحتلال وعملائه بقيادة الضابط في الجيش اللبناني سعد حداد. ابرز ما قام به المحتل الاسرائيلي اثناء عدوانه على الجنوب :ارتكاب مجزرة شنيعة في بلدة الخيام. قرية الثلاثين الف نسمة. سبق وان تعرضت البلدة هذه – ذات الموقع الاستراتيجي المطل على سهل الحولة وهضبة الجولان جنوباً والمواجه لجبل الشيخ ومزارع شبعا شرقاَ -. تعرضت الى القصف مراراً. مما ادى الى تهجير سكانها وتحولها الى خط تماس بين العامين 1976 و1978 بالاقتتالات بين القوات المشتركة التابعة للحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية من جهة واسرائيل وعملائها من جهة ثانية. حصل اقتحام البلدة – عام 1977- من قبل عملاء اسرائيل. نتج عن الاقتحام استشهاد عدد من ابنائها. بينهم الدكتور شكرالله كرم طبيب البلدة. رفض مغادرتها. اختار البقاء للقيام بواجبه الوطني والانساني بداخلها.
اثر استرداد البلدة من قبل القوات المشتركة ، صارت خط نار.عندها: لم يبق سوى عدد قليل من الرجال والنساء المسنين. لم يغادروا البلدة.بعضهم لم يغادر لانه لم يقدر. بعضهم لم يغادر، لأنه قرر البقاء. قام الاسرائيليون وعملائهم بجمعهم في حي البركة وسط البلدة. أجهزوا عليهم في مجزرة جماعية. بلغ عددهم 55 شهيداً. بعد ذلك: حول الجيش الاسرائيلي “الخيام” الى مركز للتدريب واجراء المناورات الحربية بالذخيرة الحية، ما ادى الى تدميرها بشكل شبه كلي. لم يكتفوا بذلك. بل نهبوها. سرقوها بمافيها من اثاث وأغراض. نقلوا الجدران والاسطح وحشواتها الحديدية. حملوا الابواب والشبابيك.أخذوا كل شيء . شاركت عصابات في عملية النهب هذه. جاءت العصابات من مدن وقرى بعيدة . بدوا وكأنهم جاءوا من حكايات الجدات. لم يفهم الكثيرون زفرات اللاتسامح المبثوثة في تلك المنطقة البعيدة. وهي زفرات لا دينية ولا محافظة. امام مفهوم البنك ونقل البنك: قام اهالي البلدة المهجرين في العاصمة بيروت والبقاع وصيدا وغيرها من المناطق بإنشاء “اللجنة الوطنية لأبناء الخيام” . تداعوا الى تأليفها بدون كثير اهتمام بالرذائل المزروعة في بلدتهم حديثاً. تألفت من فاعليات البلدة الاجتماعية، باهداف: القيام باتصالات ولقاءات بالمسؤولين لشرح قضية الخيام وأبعادها الوطنية والانسانية والعمل على تأمين شروط العودة اليها مع المطالبة بتعويضات عن الخسائر في الارواح والممتلكات.
شاركت “عامل” وهي قيد التأسيس – في دعم ومساندة هذا الحراك الوطني والمطلبي هذا لأهالي الخيام. بحيث ارتبط قرار التاسيس الفعلي لـ “عامل” بتلك الاحداث الكبيرة ( الاجتياح وما نتج عنه).
دمرت المدينة المشرقة القائمة في مشهد اخضر من هضاب مزروعة بالاشجار التي تهبط بتماوج انى وجدت بشيء من السحر غير المتوقع. نشطت اللجنة الوطنية: نظمت تظاهرة حاشدة الى القصر الجمهوري حيث قابل وفد منها، برئاسة أمينها العام د. محمد مهنا رئيس الجمهورية الياس سركيس. طالبه الوفد بدعم قضية أهالي الخيام باعتبارها قضية وطنية تدخل في نطاق مسؤولية الدولة اللبنانية. قامت اللجنة الصحية بافتتاح مستوصف في قرية الصويري باشراف د. حليم القسيس. وآخر في الضاحية الجنوبية في حي صفير بادارة سهيلة عواضة ورياض قانصوه. يقع المستوصفان حيث التجمعات الخيامية الكبرى هناك. دعم صمود الاهالي، شق طريقه تماماً، بلا دفتر تعليمات وفي غياب اية موضة نضالية في تلك الايام ، لأن اسرائيل هي المستفيد الاول من افراغ المنطقة المحتلة من سكانها. ما يسهل تنفيذ مخططها الرامي الى الاستيلاء عليها وضمها على المدى البعيد ( أنشأت ادارة محلية أوكلت أمورها الى العملاء). المطلوب: دعم صمود الاهالي للبقاء في ارضهم، عبر تأمين الحد الادنى من مستلزمات العيش لهم في منطقة عرفت لاحقاً بدويلة سعد حداد (الشريط الحدودي). حصل الاجتياح في حزيران عام 1982 للبنان. عندها: اتصلت المناطق المحتلة القديمة بالمناطق المحتلة حديثاً. بيروت ايضاً. اتصلت كما لو انها تخاطرت. اتصلت بحركة اشبه بالتخاطر. غزت اسرائيل لبنان. ابتلعت كامل هواءه. اضحى لبنان غير متماسك البتة، ككرسي قديم من خيزران. غير ان البلاد لم تسمح قط بأن يفلت منها لهاث او سعال او طقطقة او زفرات تعب. تمضمضت يومياً بفهم ما حدث، لكي ترمي بفهمها بصوتها وعقلها وجهازها العصبي. لم تقبل بطوق زمردي عند العنق ولا بأساور ذهبية عند الرسغين. قفزة من لغة الى لغة. قفزت من لغة الهزيمة الى لغة فهم الهزيمة بالطريق الى لغة المقاومة. عاد الناس الى الوسط الذي ترعرعوا فيه، اثر خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت. حولت المدينة طيشها الماحق الى شيء مباشر: عمليات عسكرية.
عاد أهالي الخيام الى بلدتهم في شتاء 1983 تحت المطر والثلج والبرد القارس. وجدوا بلدتهم مدمرة. نصبوا خياماً أقاموا فيها. بدأوا باعادة بناء بيوتهم بسواعدهم وأموالهم القليلة. لم يتلقوا سوى النذر اليسير من المساعدات في تلك الظروف الصعبة، يحدوهم الأمل بعودة بلدتهم رشيقة طافية كالجمال. لا حداد ولا الآم حداد صعبة. بل عيش واستمرار. لا اذعان الى نظرات الاحتلال الوقحة، بل عودة الى القلوب. عودة ثابتة. عودة بثبات. لم تراوح المؤسسة عند صورة قط مسترخ. بل استمرت في دأبها. أوفدت مسؤولة العلاقات الخارجية السيدة أنا ماريكا بورسمان الى بلدة الخيام للأطلاع على اوضاعها وحاجاتها الملحة. رافقتها في الزيارة هذه ممثلة ” جمعية أطباء العالم” “Medecins du monde”: المناضلة فرانس اريستا. التقت بورسمان بالعديد من الاهالي بحيث وقفت على المعاناة الكبيرة التي قاساها اهالي الخيام العائدون الى بلدتهم المدمرة. نصبوا الخيم. شدوا الشراشف والحرامات بدل السقوف المهدمة بانتظار اعادة بناء بيوتهم. تأثرت كثيراً . وازداد اعجابها بالناس، اذ رأتهم مصممين على اعادة الاعمار وهم يمضون في جلدهم بقليل من الراحة وكثير من الاصرار. بقليل من القوة المادية والكثير الكثير من القوى المعنوية. لا حيرة. بل تصميم. وحين عادت الى بيروت: اقترحت تأمين وسائل تدفئة لإرسالها الى الخيام بشكل عاجل. قررت المؤسسة توزيع كميات من المازوت على الاهالي. ثم: جرت الاتصالات بالجمعيات المحلية والدولية والوزارات المعنية من أجل تأمين مساعدات عاجلة أخرى. أول المتجاوبين: ” مجلس كنائس الشرق الأوسط”. قرر المجلس ايفاد مندوب أقام في الخيام حيث قدم الرجل الى الأهالي المساعدة لتأهيل عدد من المنازل.قدم مساعدات غذائية خاصة بالعائدين. لم يقف مسؤولو المؤسسة فاغري الفم. تحملوا صرامة الوقت وتفاهة المرحلة الاسرائيلية. اجتمعوا في مجالس بلا طاولات بطركية، متحدين الوقائع الصعبة والبراهين الصعبة على الوقائع الصعبة. طرحوا اسئلة صعبة على مؤسستهم، هي اسئلة الشغل في منطقة تخضع للاحتلال هذا أولا”. ثانياً: سؤال الشغل في منطقة خاضعة للاحتلال باعتبار المؤسسة ذات طابع وطني وتنشط في اطار الحركة الوطنية اللبنانية. جاء الجواب مباشرة: لن نقبل بالضغوطات. زائد انهم لن يقبلوا بتدخل الاحتلال ولا عملائه في عمل المؤسسة ذي الطابع الانساني. جاء الجواب مباشراً: ” ان واجبنا الوطني يقتضي مد يد المساعدة الى اهلنا في المنطقة المحتلة. وعدم تركهم يواجهون وحدهم ظروف الاحتلال: بالاستناد الى اتفاقية جنيف الرابعة. وهي تنص على حماية المدنيين في ظروف الحرب والاحتلال. ما يسمح للمؤسسات الصحية والاجتماعية بالعمل مع السكان المدنيين. وضع أشبه بوضع الفلسطينيين في المناطق المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ثالثاً: ابتكرت المؤسسة صيغة لاختراق واقع الاحتلال وانتزاع موطىء قدم يسمح بالتواصل مع اللبنانيين بالمنطقة المحتلة، لتقديم العون والدعم الممكنين لهم على الصعيدين الصحي والاجتماعي. استعمل المركز الصحي الاجتماعي التابع الى مصلحة الانعاش الاجتماعي في الخيام، وهو شبه مدمر. تقرر الدخول الى المنطقة عبر المؤسسة الرسمية هذه. قام رئيس المؤسسة بزيارة مدير عام وزارة الشؤون الاجتماعية الشيخ مهدي صادق. صادق من ابناء المنطقة. شرح الاول الفكرة. رحب بها الثاني. ابدى استعداده لتوقيع عقد مشترك مع مؤسسة “عامل” يخولها تأهيل المركز وتجهيزه وادارته. تم تشكيل لجنة مؤلفة من المهندس عبدالعزيز مهنا، الدكتور حليم القسيس، السيدة شما ابو عباس، السيدة سهيلة عواضة، السيدة صباح هيثم، السيدة فاطمة ابو عباس والدكتور طانيوس الحاج لكي تشرف على ادارة المركز.
رحلة تتطابق والمخططات. لن ينأسر احد بعد اليوم، او لن يتورط بعقائد وافكار مسبقة. الاحتكاك هو الاساس. المخيلة جوهرية الحضور. ايقاظ الشعور بالانتماء بباب الضرورة القصوى. لذا: أعيد تاهيل المركز في الخيام. زود بالمعدات والادوية. جهزت دار التوليد التابعة له. زار مركز المؤسسة في بيروت رئيس البعثة الطبية الاميركية الدكتور بيار سابا، وهو من اصل لبناني. يرأس جمعية تهتم بالاطفال. اقترح رئيس المؤسسة على الفريق الطبي الاميركي العمل في الخيام، شارحاً له الواقع الصعب. اشار الى ان عمل أشخاص حاملين الجنسية الاميركية في مركز المؤسسة في الخيام، يمنع الى حد كبير تدخل المحتلين والعملاء في نشاط “عامل” الانساني هناك.
يتذكر د. مهنا بكلمات مختصرة تلك المرحلة بصراعاتها الوطنية والايديولوجية. لا مصالحة مع العملاء، لا صلاح مع الاسرائيليين. لا شيء سوى حماس الخلاص. وافق د. سابا على الطلب هذا. ذهب الى الخيام مع ممرضة اميركية وممرض من المؤسسة هو فادي كلاكش( من بلدة بلاط القريبة من الخيام، تطوع للعمل في مستشفى المصيطبة الميداني خلال فترة الحصار الاسرائيلي لبيروت، وهو يتكلم الانكليزية. أثبت كفاءة مهنية عالية) . اصبح للمركز دور صحي واجتماعي هام، ليس على صعيد الخيام وحدها، بل على صعيد منطقة مرجعيون – حاصبيا كلها. وحين شارفت اقامة البعثة الاميركية على نهايتها. تولى د. حليم القسيس (من الخيام) ادارة المركز. بقي الممرض فادي كلاكش عاملاً فيه. لكنه تعرض الى الاعتقال. زج في معتقل الخيام الذي يدديره العملاء باشراف الجيش الاسرائيلي. عندها: دعت المؤسسة الى حملة تضامن شاركت فيها الهيئات الاهلية والدولية من اجل الافراج عنه ووقف الممارسات التعسفية بحقه والتنديد بخرق المعاهدات الدولية خصوصاً اتفاقية جنيف الرابعة التي تحمي المدنيين والمؤسسات الصحية والانسانية. الا ان الأمر تكرر ثانية حين تم اعتقال طبيب الاسنان د.علي ضيا. استمر المركز بـ “إثارة الشغب” وبالرغم من الضغوط والمضايقات التي تعرض لها العاملون فيه، استمر بالعمل على أفضل وجه لمدة 12 سنة حتى تسليمه الى وزارة الشؤون الاجتماعية. انتقل بعدها نشاط “عامل” الى وسط البلدة حيث استمر العمل حتى العام 1998. توقف – لمدة سنتين – بسبب الضائقة المالية في ” عامل” وبوجود بدائل عن المؤسسة في الخيام وجوارها.

الا ان ” عامل” سرعان ما افتتحت مركزاً كبيراً عام 2000 بعد التحرير مباشرة، بالتعاون مع جمعية ” اطباء العالم” الفرنسية، وعبر السيدة فرانس اريستا. سيدة زارت الخيام عام 1983. ازداد اهتمام المؤسسات والهيئات المحلية والدولية بالمنطقة. عندها: قامت بمشاريع خدماتية استمرت اثناء الاحتلال وبعده، ساهمت في صمود الاهالي وبقائهم بعد ان صوبت القوى السياسية الوطنية موقفها السابق الخاطىء ازاء الصابرين والصامدين. اذ خلط بعضها بصورة ما: بينهم وبين المتعاملين مع العدو. لم تلق المؤسسة باللوم على احد. قلبت النزوات كلها في صالح الناس. نزوات خالية من البنى الاخلاقية، نزوات جاهزة للأغواء. وجدت انها انتمت الى التراب وانتمت الى الناس. لم تتعلل بشيء لكي توقف مسيرة او تصد شخصاً او اسماً. لم تستنفذ اعصابها ولا اعصاب الاهالي وهي تراقب تلك الانتقالات الشديدة الوطأة من مرحلة الى مرحلة ومن بيت الى بيت. حرصت ان لا يقود الشد والاسترخاء الى الانهاء. عبرت بالسياسة هذه المراحل، عبرت بالسياسة هذه الانواء والاجواء . لا مشاهد عجيبة في ثنيات لحم الاوقات الصعبة او الطيبة. الوقت وقت. الوقت للشغل. الوقع الشائع لما ليس شائعاً: الطموح بلا ملكية. الحب بلا غصب. الحب بلا دهاء. مؤسسة ضخمة مولهة بـ ” الجماهير “. تخرج من عاصفة كما تدخل اليها. وتدخل الى اخرى بالطريق الى الخروج منها، بكل الادوات. الدفاع المدني أداة من الادوات هذه. أداة من لحم حي. حاولت الهيئات الاهلية – ومن ضمنها مؤسسة “عامل” – من خلالها- ان تضع خططاً للطوارىء والاغاثة والحضور الميداني المباشر. بالاخص: في مناطق التوتر الامني. تميز خلال الفترة الساخنة هذه عطاء وتفاني عناصر الدفاع المدني في مختلف القطاعات الاهلية والرسمية. هؤلاء من قدم شهداء وجرحى اثناء القيام بالواجب الميداني. ما ان تأكد قبطان المؤسسة من ان الاداة الاسطورية هذه صارت في القلب، حتى رصدهم: انتشروا في العديد من المناطق اللبنانية، لا سيما في بيروت والضاحية الجنوبية. أشرف على هذا الجهاز المزود بـ 17 سيارة اسعاف عدد كبير من من القادة، في مقدمهم: صولي صولي- سلام ضاهر- علي اسماعيل- غسان ابو عباس – محمد صولي – المرحوم عبدالكريم خشاب – حسين الشيخ – علي الاحمر – احمد مهنا – صبحية الشيخ علي – فاطمة عواضة – غسان عياش – هاشم صولي – نزيه ابو عجرم – محمد العلي – رضوان العلي – حسين مهنا – حسن فرحات – محمد سرور – رضا زعرور – هادي شلق – المرحوم فؤاد الكركي ( الذي توفي بعد معاناة من مرض عضال) – رضوان اسماعيل – وآخرون.
قام هؤلاء القادة الشجعان بدور كبير اثاء الحرب الاهلية. قاموا بادوار كبيرة خلال الحروب التي شنتها اسرائيل . دأبوا على نقل الجرحى من ميادين القتال وساحات المعارك. قاموا باعمال الاسعاف الاولي. انقذوا المصابين واخلوهم الى مناطق أمنة. أخمدوا الحرائق وأمنوا وحدات الدم لكل من احتاج الى الدم. شاركوا في تأهيل الملاجىء. أمنوا المواد الضرورية للاحتياجات الطبية كالبنج والاوكسيجين والامصال. امنوا الماء والمازوت للمستشفيات. قاموا برفع النفايات ورش المبيدات داخل الاحياء الشعبية وتوزيع المواد الغذائية. فعلوا، ما صارعوا لاجله بلا هوادة اغواءات الاستسلام للامبالاة الهفهافة التي راحت تغزوا ارواح الكثيرين.
مهمات في ظروف شديدة الخطورة. مهمات بتضحيات عرضتهم الى الاصابة المباشرة. استشهد البعض اثناء القيام بالواجب. قدمت مؤسسة “عامل” القائدة منى علي ديب عواضة. استشهدت في منطقة صفير في الضاحية الجنوبية خلال حرب الجبل والضاحية (1983 – 1984). ثم أصيب القائد صولي صولي إصابة بالغة في بطنه. لا يزال يعاني – حتى اليوم – من مضاعفاتها. كذلك اصيب سلام ضاهر وغسان ابو عباس وصبحية الشيخ علي وعلي اسماعيل وحسن الشيخ وعلي الاحمر اصابات مختلفة اثناء القيام بواجبهم الانساني. حضور دائم في قلب الاحداث. أطلق جهاز الدفاع المدني – وفيه قسم منبثق عن مديرية الدفاع المدني – وجهاز المتطوعين دوراً كبيراً في انقاذ عشرات الناس. وخففوا – الى ابعد حد – من خسائر الحرب وأثارها المدمرة على المجتمع اللبناني. جازفوا في كثير من الاحيان بحيواتهم الشخصية. حاولت قيادة المؤسسة حمايتهم بأن منعتهم من التحرك أثناء القصف الشديد، الا انهم جازفوا دائماً بانقاذ غيرهم. كما حصل أكثر من مرة مع صولي صولي وصبحية الشيخ علي خلال اجتياح بيروت عام 1982، او مع سلام ضاهر وغيرهم. لذا: أطلق عليهم د. كامل مهنا تحبباً تسمية “الفلاسفة” او “المجازفين” . فلاسفة: لأن لديهم نظرتهم الخاصة بالحياة. انهم دائماً في أخطر المواقع من اجل القيام بالواجب الانساني. ومجازفون : بسبب اعتبارهم الخطر والقصف هوى لذيذاً وسعادة بلا تجاعيد. ثروة كبيرة من القصص المشرفة. قصص بطولية، مسحت رومنسيات غير مخجلة بظل ايقاعات خانقة وبنجاح غير مقهور. مواطنون درجة اولى في جمهورية مفجوعة بويلات الحرب وبلا اخلاقية بعض مراحلها. ذكريات تثير الشجون. ذكريات لاهفة، ذكريات المتلهفين الدائمين غير الهيابين من حدث الرعد القوي بانتظار البرق الآخاذ. لن تقف الرواية هنا. لأن “عامل” ما تعودت الانحناء امام الصعاب الا على الطريقة الصينية. مؤسسة شابة، شرسة امام نذائر الموت واحتمالاتها المكلفة. لا شيء يثير الشفقة امام حمية عارمة، مدهشة . لذلك بادرت الى توظيف علاقاتها الخارجية بالجمعيات والحكومات العربية والاجنبية. لكي تؤمن المساعدة الضرورية للجرحى والمصابين.اثمرت تلك الجهود سلسلة من بعثات من الجرحى الى بلدان عديدة منها: ايطاليا والولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وبلجيكا ودولة الكويت.
وافقت بلدية مدينة بولونيا الايطالية التي – يرأسها السيد زنغاري -(Zanghari) – على استقبال حوالي مئة جريح لبناني من اجل علاجهم على نفقتها. اوفدت خلال فترة الحصار (آب 1982) بعثة طبية ضمت 15 شخصاً بينهم جراحون واخصائيو تخدير وممرضون وممرضات ( حث هذا بعد انسحاب اسرائيل من بيروت وقبل عودتها اليها ثانية في شهر ايلول، حيث تم نقل المستشفى الميداني في مدرسة راهبات البيزونسون الى مركز المؤسسة الرئيسي في مبنى ” لسان الحال” مقابل الستاركو: قسم طبي ودار توليد وجهاز دفاع مدني). توزع الفريق الايطالي العمل في المركز هذا وفي “مستشفى عكا” التابع للهلال الاحمر الفلسطيني . يروي د. كامل مهنا، بعينين متقدتين، بريئتين اذا ما قيست العينين بحجم الاهوال التي تابعتها. يروي اليوم، وكأن اليوم هو الامس، والامس هو السنوات الماضيات كلها. يروي : قررت بلدية بولونيا استقبال الجرحى. لذا: اجرت اتصالاً بالسفارة الايطالية في بيروت. لا يزال يذكر ان السيدة صوفي ديلكورتو -Sophie Delcourtoux- هي مسؤولة قسم الشؤون الانسانية في السفارة. سيدة صديقة للراهبة اديل منزي (يذكر بها دائماً: ايطالية الجنسية، شاركت في تأسيس “جمعية النجدة الاجتماعية ” بعد سقوط مخيم تل الزعتر ومنطقة النبعة في آب 1976). اتصلت أديل بـ د. كامل مهنا سائلة اياه عن مدى استعداد “عامل” للقيام بالمهمة هذه. استجاب فوراً. لا سيما ” وان كثيراً من الجرحى الذين كانوا يعالجون في مستشفيات “عامل” الميدانية كانوا بحاجة لاستكمال علاجهم في مراكز متخصصة ومجهزة بأحدث التقنيات الطبية”.
تولى الفريق الطبي الايطالي معاينة الجرحى بمركز ” عامل” في منطقة وادي ابو جميل. اتفقت المؤسسة مع الدكتور كيدو برتولوزا – مسؤول قسم الصحة في وزارة الخارجية الايطالية- على توجيه دعوة عبر وسائل الاعلام الى جميع الجرحى الذين هم بحاجة الى استكمال علاجهم لكي يقصدوا المركز للمعاينة. اثر اتمام المعاينات جرى اختيار 75 جريحاً من اللبنانيين والفلسطينيين سفروا الى ايطاليا (يرافقهم د.مهنا) على متن طائرة خاصة بمعية مسؤول من بلدية بولونيا حضر الى لبنان خصيصاً. معه الاطباء في “عامل”: بهيج عربيد، قاسم علوش وحسين شحرور. جرت استضافة الوفد في فندق فخم في وسط بولونيا بغرف مزودة بخط هاتف دولي وتلفاز. تخيلوا دهشة الجرحى؛ خاصة اليافعين منهم. صغار لم يعرفوا من الدنيا سوى القصف والملجأ والدمار والرعب. وجدوا انفسهم في تلك المدينة الايطالية الجميلة. شوارع مخططة ونظيفة واشارات سير عند التقاطعات. امن وهدوء ونظام. بقي ان يؤمن الفريق الطبي الايطالي غرفاً في المستشفيات لجرحى اصابات العظم والحروق في الجلد والعين. طال انتظار الوفد في الفندق. اذ ابلغ رئيس المؤسسة من قبل د. بزاني (اوفدته وزارة الصحة الايطالية مع د. الدو لاندي للعمل في لبنان خلال فترة الاحداث) . صعب تحقق ذلك َ حتى للايطاليين. لأن لا اسرة شاغرة في المستشفيات. خصوصاً المتخصصة بجراحة العظم. يتذكر د. كامل مهنا: االمراويل البيضاء واغطية الراس المنشاة. يتذكر الاحساس بوجود الآخرين. يتذكر الانهماك بتأمين حاجياتهم واسرتهم وازمنتهم الشخصية، لكي يضحوا في غرف عملياتهم .شيء كحلوى اللوز والسكر. شيء كما الحلم. حبكت النكتة عندها. قلت لاصدقائنا الايطاليين: اذ كنتم بحاجة الى المساعدة: نحن مستعدون ان نقدمها لكم عندنا في لبنان. لفت نظره خلال الاقامة في بولونيا ان الجرحى وزملاءه الاطباء، يغادرون قاعة العشاء فوراً بعد تناول طعامهم . في الصباح: يأتون متأخرين. يتناولون الفطور وهم محمرو العيون من السهر. اكتشفت ما يحصل لاحقاً: ادرت مفتاح التلفاز ذات ليلة، لأقع على مشاهد من افلام اباحية ترسل ابتداء من الساعة الثانية عشرة ليلاً. عندها: ادركت ما يحصل. عرفت سبب الارهاق من ما عانيت منه في الليلة الاخيرة. كثرة البصيرة والوقار لم تمنع د. مهنا ود. بهيج عربيد من تمضية ليلة في ميلانو بمنزل مشترك بين د. علي نحلة وشقيقه د. مالك ود. فهد رياشي. يذكر انها ليلة ضاحكة. ليلة مشحونة بالضحك. سقط كل الرفقاء من الضحك في تلك الليلة . لم يكد الطبيب يضع قدمه في البيت هذا، حتى عاد الى صداقاته القديمة والى نزوة استعداده التصعلكي . ضحكوا حتى بدوا برؤوس حليقة. لن يقدم احد البراهين على شيء هنا. فاضت الروح بالمسؤولية. وها هي تفيض بالحياة. حياة لا تنتمي الى اللوائح السوداء. لا ايديولوجيا ولا مسؤولية . لا حماس. لا خلاص. بل قضاء ليلة واحدة، في منأى عن الرصاص والقذائف والحرمان. بيد انها لا تكمل مع أحد. قدر موصوف. تلقى د. مهنا اتصالاً من رئيس بلدية بولونيا (تبعد حوالي 200 كلم عن ميلانو) طلب فيه حضوره. عند الثانية عشرة ظهراً حتى يشارك في مؤتمر صحفي : يعقد في دار البلدية بحضور وزير الصحة الايطالي وسفير لبنان في ايطاليا محمد ابراهيم. عاد في اليوم التالي الى بولونيا. ثم سافر الى بيروت برفقة د. عربيد. فيما بقي د. قاسم علوش و د. حسين شحرور و افراد البعثة في ايطاليا.
لم يتعامل د. كامل مهنا مع البعثات بالقطعة. طبق الاتفاقات بدون اشكالات تذكر. وان استلزم الامر مجهودات بحجم الدعم الاوروبي والاميركي المبذول. سوف يرد التحية باحسن منها: لن يحجم عن ترتيب الاوضاع ولن يمتلك تصورات وهمية، نتيجة اندفاع بعض الدول واحجام بعضها الآخر عن المساهمة المؤثرة في نقل الرعايا اللنانيين الى ضفاف الامان، بظلال محلية لافتة. تخطى الر جل كل التعقيدات السياسية والظروف الامنية بمعايير طبيعية وبتقيمات اداء عالية في مؤسسات دولية معنية بالامور هذه ً.استقرار وثبات بلا تسويات. انتج هذا بعثة اثر بعثة. احداها بعثة الجرحى الى الولايات المتحدة الاميركية: “زار لبنان د. عابدين جبارة. هو من الوجوه العربية البارزة في الولايات المتحدة الاميركية واحد مسؤولي ” اللجنة الاميركية العربية لمحاربة التمييز (A.D.C) – رئيسها السيناتور جيمس بو رزق (اصوله لبنانية.انه من بلدة الكفير في الجنوب اللبناني). مثله فعل السيد جيمس زغبي رئيس لجنة “سيف ليبانون((Save lebaon. كلف د. جبارة – من قبل “اللجنة العربية الاميركية”- بتسفير 78 جريحا” من لبنان لكي يعالجوا في المستشفيات الاميركية. بعد ان التقى بالاخت الراهبة اديل منزي: اتصلت الاخيرة برئيس المؤسسة. طلبت منه : التحضير لعملية مشابهة لعملية ارسال بعثة الجرحى الى ايطاليا. بعدها: قام د. جبارة بزيارة مركز “عامل” في بيروت، حيث تم الاتفاق على ان تقوم المؤسسة بتجميع الجرحى على دفعتين، على ان تتولى اللجنة أمر التكاليف. لاسيما وأنه يوجد في الولايات المتحدة الاميركية 15 مستشفى يملكها أطباء وأشخاص من أصول عربية. سفرت الدفعة الاولى. – ضمت 40 جريحاً من اللبنانيين والفلسطينيين – رافقها من “عامل” د. غسان عيسى و د. قاسم علوش. سفرت دفعة ثانية . بلغ المجموع 78 جريحاً، تم توزيعهم على مستشفيات مختلفة. قام السيد جيمس زغبي بتبني احدى الجريحات الفلسطينيات ( يعتقد انها لا تزال تقيم معه) . هكذا: فضل عدد كبير من الجرحى البقاء في الولايات المتحدة. تابعوا دراستهم هناك وسعوا الى الحصول على الجنسية الاميركية. يقول د. مهنا: ” خلال زيارة قمت بها الى نيويورك عام 1995 للمشاركة في الاجتماعات التحضيرية لقمة كوبنهاغن الاجتماعية في مركز الامم المتحدة ( عقدت في 25 آذار 1995) ، رافقني الصديق الاعلامي خليل مطر. ذكرني هناك بأن شقيقه سافر في عداد بعثة الجرحى تلك. وبأنه – اي شقيقه – بقي في الولايات المتحدة الى ان حصل على الجنسية الاميركية. ثم قام بافتتاح محل تجاري في شارع “Fifth avenue”. وهو من اهم شوارع نيويورك التجارية. قمنا بزيارته في محله، حيث وجدناه رجلاً جديداً بتقاسيم اسلافه، يمضي مرتاحاً في حياته وعمله. لم تنتهي الحكاية هنا. ذلك انه وبعد انتهاء المؤتمر، وقبل عودته الى لبنان، ذهب برفقة صديقه هذا الى نيوجرسي – حيث تقيم ابنة بنت شقيقه رانيا شمعون المقترنة بالمهندس محمد عواضة- وجد نفسه هناك امام مفاجأة لا تصدق. اذ التقى في منزلهما باربعة اشخاص من جرحى البعثة سابقاً. بينهم: السيد علي غصن من بلدة جون. اكمل دراسته الجامعية باميركا وانضم الى لجنة ADC . وشخص آخر – معوق – اكمل دراسته. انه يدرّس اليوم في احدى اهم جامعات نيويورك. شعر بسعادة لا توصف اثناء الزيارة. ” انه شعور باهمية الانجاز، اذ ساهمنا مع اصدقائنا في الـ ADC بتأسيس المستقبل الباهر لمجموعة من الشبان الذين أعطبتهم الحرب وكادت تنهي حياتهم. اتت البعثة مانحة اياهم حياة جديدة. زمن ميسور. زمن مطبوع بروح الحرب وقدر الفقراء المفلسين والانبياء غير المطوبين. حياة جديدة.

انضم جيمس ابو رزق وجيمس زغبي – اثر العملية – . الى هيئة الرعاية في “عامل” بهدف تحقيق مشروعي المستشفيين في صور وحارة حريك برئاسة د. سليم الحص”.
فتحت التجربة المخيلات. اخرجتها من اسر التورط في العقائد والافكار الجاهزة او المسبقة. ايقظت حماساً وطنياً عارماً لدى العاملين فيها وغير العاملين بها. لم يعتقد العاملون بالمؤسسة انه لا يوجد في البلاد الا طبقتين اجتماعيتين. طبقة العاملين وطبقة افقر الفقراء، تفصل بينهما منطقة رمادية مبهمة من الناس. لاحظوا واكدوا انهم ابناء طبقة واحدة. ولو ان د.كامل مهنا ابن طبقة وسطى مقتدرة. انه خطاب اعمال في الشأن الاجتماعي الكبير. وليس خطاب اصدقاء الى اصدقاء. لذا: شكلت “عامل” العمود الفقري بالعمل الاجتماعي بالبلد – هي وهيئات اهلية أخرى . بدا ناس المؤسسة بذلك وكأنهم عشاق بعشق اول. بدا د. كامل مهنا كملاك جهز او ساهم في تجهيز سرايا شياطين ارادت ان توفر نسمات منعشة او هواء منعشاً للناس، في حين اطاح الاخرون – سياسيون وغير سياسين – بالملكيات والارزاق والارواح. لم تراوح علاقة ناس المؤسسة امام الراشدين. بل تعدتهم الى الاطفال. اذ ان طبيباً بلجيكياً – جراح مناضل صلب- زار لبنان مرات عديدة ، ضمن بعثات طبية:أمن علاج سبعة اولاد. قاده نضاله الى عدد من بلدان العالم الثالث. آخرها: جنوب افريقيا. ذهب اليها بمهمة انسانية. لكنه لقى حتفه هناك على أيدي متطرفين عنصريين. ياتي كل من ينتمي الى دم الآخرين بارجله اليهم. لم يثر الطبيب الشغب. استشهد مع ذلك. وظفت “عامل” شغبها في صالح الناس. ثمرت علاقتها بـ “جمعية Novib ” الهولندية. انوجدت هولندية كمسؤولة للعلاقات الخارجية في “عامل”: السيدة انا ماريكا . لعب ذلك دوراً. شجع سفير لبنان في هولندا -انذاك- الشاعر صلاح ستيتية، الحكومة الهولندية على ارسال مندوب من وزارة الخاجية تفقد – برفقة سفير هولندا في لبنان- مركز “عامل” في المشرفية. تم اختيار الاخير للقيام بعمليات تركيب الاطراف الاصطناعية للمعوقين المحتاجين من قبل اخصائيين ارسلتهم الحكومة الهولندية. اثر ذلك: قامت مؤسسة “عامل” بتسطير دعوة عامة الى المعوقين عبر وسائل الاعلام، حثتهم فيها على الاتصال بمركزها في المشرفية لادراج اسمائهم على لائحة المحتاجين الى الاطراف الاصطناعية. استغرقت عمليات تركيب الاطراف الاصطناعية هذه شهورا.ً استفاد منها 400 معوق من مختلف المناطق اللبنانية ومن معظم التيارات السياسية.لم تهز المؤسسة احداً بتنكيل من أي صنف. لم تضع احداً على كرسي واضعة يديها على أذنيه مبرطمة بكلام مفهوم أو غير مفهوم. أخذت الجميع بذراعين مفتوحين. لن يكلف هذا أحداً فروة رأسه. لن تركب المؤسسة اطرافاً اصطناعية مقابل رؤوس مقطوفة من حقول الحاجة والحرمان.لذا: اتصلت رئاسة الجمهورية اللبنانية بـ “عامل” . ارسلت الرئاسة تسعة معوقين. اجرت المؤسسة لهم عمليات تركيب اطراف اصطناعية. بعد انجاز عمليات التركيب، تم الاتفاق مع ممثل وزارة الخارجية، على الخطوة التالية: انشاء مشغل للاطراف الاصطناعية ومركز علاج فيزيائي في مبنى “عامل” في حارة حريك المعد اساساً كمستشفى. يشاء القدر ان تداهم المنية، ممثل وزارة الخارجية، بعد اجراء جراحة له. حيث تم خلالها استئصال جزء من دماغه. اذاك: تم تحويل المشروع من وزارة الخارجية الى الصليب الاحمر الهولندي. اتصل الاخير بالصليب الاحمر اللبناني طالباً من رئيسته تنفيذ المشروع. كلفت الاخيرة لينا طبارة (من الصليب الاحمر) بمتابعة الموضوع. بعدها: عقد لقاء في منزل سفير هولندا في بيروت بمنطقة عين التينة، بحضور ممثلين عن الصليب الاحمر اللبناني والهولندي ومؤسسة “عامل” . تم خلاله: الاتفاق على استكمال المشروع مع الصليب الاحمر اللبناني في مستشفى هملين في حمانا بدلاً من “عامل”. سلمت المؤسسة كل ما لديها من معدات الى الصليب الاحمر. حيث افتتح مشغل اطراف اصطناعية هناك. يتذكر رئيس “عامل” ان المحتاجين لم يتصرفوا بخبث بل بخطأ. اذ لفته كلما التقى باشخاص، في الشارع، فقدوا ساقاً او ساقين. كلما التقاهم طلب منهم الحضور الى مركز “عامل” في الاوقات المحددة. الا انهم لم يحضروا. وان فعلوا لا يتابعون الجلسات المطلوبة. فوجىء بتصرفهم. لأن الهولنديين كفؤون. ولأن العمليات مجانية. واذ حكى احدى الراهبات ( وهي فرنسية ارسلتها الراهبة اديل منزي لكي تعمل معهم. حول الموضوع ، اجابت: انه “ما ندعوه “La misère morale”. “اي الفقر الاخلاقي” او “الفقر الذهني”. غير ان د. مهنا فسر ما جرى بقلة العادة في بلادنا على تلقي خدمات نوعية ومجانية بدون العودة الى المرجعيات او اللجوء الى الواسطة للحصول على الخدمات مقابل الولاء. انها ثقافة مبنية على التبعية وليس على الحقوق.
توقفت حرب الجبل والضاحية عام 1984، باعداد قتلى وجرحى عالية، خاصة في صفوف الاطفال. كثرت المبادرات لاحتواء ذلك. اتصل رئيس جمعية “اطباء العالم” د. جاك ليبا “Jacque Leba” برئيس المؤسسة. ربطته به علاقة صداقة قديمة. طلب منه ارسال 22 طفلاً جريحاً لعلاجهم في المستشفيات الفرنسية بالتعاون مع جمعية “أس أو أس اطفال بلا حدود” .” S.O.S Enfant sans frontiers” بادر رئيس “عامل” الى الاتصال بالسيدة رنده بري. اقترح عليها تأمين نصف العدد، على ان تقوم “عامل” بتأمين الباقين. وافقت السيدة بري على الاقتراح، خصوصاً وانها لم تكن أسست جمعيتها حديثاً ( زارت مركز المؤسسة في المشرفية عندما جرى تركيب الاطراف الاصطناعية للمعوقين بالتعاون مع الحكومة الهولندية. هي – دائماً- من مشجعي “عامل” ومؤيدي دورها الانساني والوطني).
تجربة في حلقات ثورة المعرفة الانسانية. حولت المعجزات غير المحتملة الى معجزات .اخترقت هذه بالحاح ود الاخرين المختبىء في اعماق ارواحهم. زاوية دفعت الرئيس نبيه بري الى المشاركة في ” الهيئة الوطنية لرعاية مشروعي مستشفى عامل في حارة حريك وصور”، بمساعدة مستشاره السياسي السابق د. حسين يتيم”. كلف كل من د. غسان عيسى، والسيدة انا ماريكا متابعة تنفيذ عملية جمع الاطفال في مكتب السيدة بري بمساعدة د. زهير برو. بعدها تم نقل الاطفال – جميعهم – الى “الحمام العسكري” نظراً الى اقفال مطار بيروت الدولي حينذاك. انتظرتهم طائرة هيليكوبتر، نقلتهم الى مدينة لارنكا. ومن هناك الى باريس. وجد في وداعهم: القائم باعمال السفارة الفرنسية في بيروت السيد مارسيل لوجيل (انه اليوم سفير متقاعد مقيم في لبنان. هو على اتصال برئيس المؤسسة عبر مجلس امناء جمعية التعاضد لحاملي جوقة الشرف الفرنسية). غير ان من يملك علامات جديرة بالذكر، لن يملك ما لايملك. لن يملك الا اشراقه و نضجه وحبه الفائض. اذ اثناء تنفيذ عملية مغادرة الاطفال الى باريس حصل اشكال في الحمام العسكري ادى الى سوء تفاهم مع السيدة رنده بري. ” منذ وقوع الحادثة اصاب علاقتنا خلل لم يصلح لاحقاً” . مرت به فروقات واستقصاءات واصغاءات فردية لم تؤد باحد الى الجحيم. بقي كل في قارته حتى حرب المخيمات. اذ استلمت “عامل” كمية كبيرة من الادوية بواسطة الامم المتحدة (حمولة مستوعبين من الحجم الكبير ومن نوعية جيدة – صناعة ايطالية)، تم وضعها في مستودع مبنى “عامل” في المصيطبة. اثر ذلك: اتصل مستشار ممثل الامين العام للأمم المتحدة في بيروت السيد كريستيان دي كلير، طالباً استرجاع الادوية. عندها: قررنا اعادة كميات الادوية. سلمتها الاخيرة الى “الجمعية اللبنانية لرعاية المعوقين” ، المنشأة من قبل السيدة بري. دواء لاحياء الناس. لا بأس بوجوده هنا أو هناك أو هنالك.
بعثات جرحى الى فرنسا اثناء حربي ” التحرير” و”الالغاء”: العمل الانساني يصوّب القرار السياسي. تدهورت الاوضاع بآذار 1989. حرب التحرير “بين المنطقتين “الشرقية “والغربية” من بيروت. امتدت الى مناطق اخرى. تلتها مرحلة ثانية عرفت “بحرب الالغاء”، دارت رحاها بالمنطقة الشرقية وحدها. قامت حكومتان: واحدة برئاسة د. سليم الحص. الاخرى برئاسة العماد ميشال عون. ادت المعارك الى سقوط ضحايا كثر، بين قتلى وجرحى. نزح عشرات الآلاف من المواطنين من العاصمة. ركض العاملون، يتملكهم الاحساس بالذعر والخجل بلا ذنب. ركضوا في العاب ابناء العمومة الجديدة الباهظة الكلف. انفتحت ابواب الجحيم في وجوههم. تحسسوا انفسهم، لكي يشهدوا مبادرات جديدة غير لاهية في الوسط الاجتماعي المدكوك بمختلف العيارات العسكرية الثقيلة. وجدوها. ليست كما وجدها نيوتن. وجدوها مقبلة من الطرف الآخر. حين قامت الحكومة الفرنسية بمبادرة انسانية. اعلنت انها على استعداد لاستقبال جرحى لبنانيين للعلاج في المستشفيات الفرنسية. تم تكليف وزير الدولة للشؤون الانسانية د. برنارد كوشنير بتنفيذ المهمة هذه. بلغ مجموع الجرحى المنقولين الى فرنسا حوالي 570 جريحاً. بلغت كلف علاجاتهم حوالي 20 مليون دولار، وفقاً لما اكدته مديرة وزارة التعاون الفرنسية السيدة سيسيل سبورتيس (cecille Sportisse) المشرفة على خلية الطوارىء (Cellule d’urgence). بقي عدد من هؤلاء حتى اليوم بفرنسا حيث تابعوا علاجهم في بعض المراكز المتخصصة ( خاصة المصابين بالشلل النصفي). مرآة دقيقة لواقع الساحة الدولية. وهو ما اظهر ان ثمة فرقاً، تتمع بقدرات كبيرة على الحسم. انعكاس للميزان المستجد المدار بذهنيات عالية وبتقنيات اعلى، بوسط استمرار ارتفاع وتيرة اللاستقرار واللامن. لن تقف الروادع بوجه النوايا والقوى الحية والقدرات. عند د. كامل مهنا: ان العملية الانسانية الكبيرة هذه لها دور سياسي ايضاً. ذلك ان وسائل الاعلام الاجنبية – ومنها الفرنسية- تعاملت بانحياز مع الوضع الناشىء. غير انه وبعد وصول اعداد كبيرة من الجرحى اللبنانيين من “المنطقة الغربية”. لاحظت وسائل الاعلام الامر. عندها: بدأت تتعامل بموضوعية اكثر مع اخبار لبنان. شكل اللبنانيون المقيمون في فرنسا لجان دعم. حيث قاموا بزيارة الجرحى في المستشفيات بشكل منظم. وقدموا مساعدات عينية ودعمهم المعنوي. لم يبحث اللبنانيون – في تلك المرحلة – عن زوجات ولا عشيقات. بحثوا عن ممرضات. بحثوا عن طرقهم وسط الموت. تكسرت اصواتهم أو سمعت. استمروا يبحثون عن ناس بلا عجرفة. بحثوا عن زوايا أرواحهم. وجدوها ولم يجدوها. الانطباعات هي المعضلة. المعضلة هي الانطباعات. قسم الغرب الموتى الى فئتين، قسم الجرحى والمعوقين. وضعوا قسماً فوق كرسي مذهب. وضع القسم الآخر في هواء خشبي. لا ملوك على عروش هنا. لأن الكل ضحايا.
يتذكر د. كامل مهنا: ” خلال الفترة الصعبة هذه، كلفت الحكومة الفرنسية الدكتور برنارد كوشنير، الاشراف على معالجة الجرحى . اتصل بي من باريس. اخبرني بطبيعة مهمته. طلب ان اقوم بتجميع الجرحى تمهيداً لنقلهم الى فرنسا. معرفتي به سابقة على الاتصال. اذ عندما كان رئيساً لجمعية “اطباء بلا حدود” الفرنسية عام 1976، قدم الى لبنان مع فريق جراحين. حيث عملنا سوياً في منطقة برج حمود – النبعة – سن الفيل – تل الزعتر. توليت حينها مسؤولية اللجنة الصحية، قبل تولي الاشراف على مستشفى الامام الصدر. صداقتنا بدأت هناك. وما لبثت ان تعززت ً. وهي علاقة اسهمت بايفاد الجرحى اللبنانيين للعلاج بفرنسا، بعد تسلم د. كوشنير وزارة بالحكومة الفرنسية”. تحدى الاثنان ظروفهما بعقلانية متوقعة. وهي لم تلبث ان تفجرت حيوية وصحة داخل لبوسهما الواحد.اثمر ذلك: حين طلب د.مهنا من الوزير كوشنير ان ينسق مع الرئيس سليم الحص (رئيس الحكومة المدنية)، بعد ان ابلغه الوزير الفرنسي بأن التنسيق قائم مع الرئيس العماد ميشال عون بشأن جرحى المنطقة الشرقية (رئيس الحكومة العسكرية). اراد ان يقيم توازناً بين الرئيسين في حكومتي الامر الواقع. اراد ان يزيح عن كاهله دوراً سياسياً وجده منوطاً برئيس حكومة مشهود له بادواره السياسية والانسانية. لا سيما وان حكومة فرنسا اتهمت بالانحياز اثر تصريح الرئيس فرنسوا ميتران اعترف فيه “بانحيازه الغريزي” الى فئة من اللبنانيين. بذل الرجل جهداً خارقاً بذلك، بهدف محدد هو: ارتفاع سقف الوداعة او انخفاضه، ارتفاع سقف الشراسة او انخفاضه بنسبة واحدة لدى الطرفين.
تحدث الاعلام الفرنسي عن قصف “بيروت الغربية” “بيروت الشرقية”. لم يشر الى القتلى والجرحى والدمار في “بيروت الغربية” و “الضاحية الجنوبية” والبقاع وجبل لبنان. كنت عانيت شخصياً مع عائلتي القصف هذا اثناء وجودنا في منزلنا المؤقت بساقية الجنزير في الطابق السابع ( في اليوم التالي لمجزرة الأونيسكو).اخذت القذائف تتساقط على الحي. سقطت القذائف على مبنانا. تطاير زجاج النوافذ. مما اضطرني الى حمل ولدي بشار، في حين حملت زوجتي ابنتنا زينة. ركضنا نحو درج المبنى للاحتماء. الا ان المبنى اصيب بصورة مباشرة. شعرت في اللحظة التي كنت احمل فيها ابني البكر بأن الحياة تتلاشى واننا هالكون لا محالة. تلك التجربة من اقسى تجارب سنوات الحرب. لأن ما اسهل ان تصنع المعجزات بنجدة الناس واسعافهم، فيما تقف عاجزاً عن حماية اسرتك واطفالك من جحيم الموت. موقف انساني تعجز الفلسفة ذاتها عن الاحاطة به. لهذه الاسباب، ولأسباب اخرى مبدئية، عارض الموقف المنحاز للحكومة الفرنسية آنذاك . ابلغ موقفه للوزير كوشنير. اتفقا على اللقاء في منزل الرئيس سليم الحص في اليوم التالي. لقاء ودي (تحدث الرئيس الحص في أحد كتبه عن اللقاء هذا)، طلب فيه الحص (رافقه سفير فرنسا في لبنان لويس بلان وممثلون عن وزارة الخارجية الفرنسية: السيد جان كلود كوسران اصبح لاحقاً سفير فرنسا في سوريا. ثم سفير فرنسا في مصر. انه – حالياً- مسؤول كبير في وزارة الخارجية التي يترأسها الوزير برنارد كوشنير في حكومة الرئيس ساركوزي) والسيد سيرج تل ( اصبح لاحقاً: المستشار الدولي لرئيس الحكومة ليونيل جوسبان وسفير فرنسا في امارة موناكو. وحالياً: مستشار الوزير برنارد كوشنير)، طلب الحص من كوشنير اقناع حكومته بتعديل موقفها. شكره، في الوقت عينه، على تضامن فرنسا مع لبنان واستعدادها لاستقبال جرحى الحرب في مستشفياتها. كما ابلغه موافقة الحكومة اللبنانية على المبادرة هذه، شرط تعديل الحكومة الفرنسية موقفها بعدم الانحياز الى طرف دون آخر.
جرى اللقاء هذا بتاريخ 11 نيسان 1989 ( في شهر رمضان المبارك)، صادف يوم اربعاء: وهو موعد الاجتماع الاسبوعي للحكومة الفرنسية. ابلغ الوزير كوشنير حكومته بالوضع طالباً رداً سريعاً منها. بانتظار الجواب، دعا مهنا الوزير كوشنير ومرافقيه الى تناول طعام الغداء في فندق البريستول. ثم زاروا مكاتب جريدة “السفير”. التقوا هناك طلال سلمان. وهو صديق – بدوره – للوزير كوشنير. اقاموا احاديثهم على الاوضاع السائدة في لبنان والعلاقات اللبنانية – الفرنسية.
يتذكر د. مهنا: بعد انتهاء اجتماع الحكومة الفرنسية صرح المتحدث الرسمي باسمها، بان فرنسا مع لبنان بكل فئاته. وهي تدعم وحدته واستقلاله. ابلغ الموقف الى الرئيس الحص. وافق على قبول المساعدة، شاكراً المعنيين، قبل ان يطلب التحضير للقيام بعملية نقل الجرحى والاشراف عليها. في صباح اليوم التالي: قمت برفقة الوزير كوشنير، بزيارة المستشفيات في “بيروت الغربية” والضاحية. مستشفيات غاصة بالجرحى والمرضى بظل نقص كبير في الادوية والامصال والاوكسجين. وبالاخص بعد اقفال المعابر بين المنطقتين ( المواد هذه، تأتي من المنطقة الشرقية الى الغربية). حاول الوزير كوشنير ان ينقل الجرحى من المنطقتين بشكل متواز. الا ان القصف المستمر على كل الجبهات جعل العملية صعبة. واذ اتصل بي من فندق الكسندر في الاشرفية، شارحاً الصعوبات التي تواجهه، نصحته بمغادرة لبنان وانتظار عملية تجميع الجرحى. ولكنه لم يأخذ بنصيحتي. لم اتفاجأ بذلك. لأنني اعرف انه عنيد. عندما يصمم على أمر، لا يتراجع عنه بسهولة. في اليوم الثالث: اتصل بي مساءً. قال بلهجة المنتصر، انه قام بإجلاء 14 جريحاً عبر مرفأ جونية، طالباً مني المباشرة بتأمين عدد مماثل من جرحى “الغربية”. اكد لي بأن “الباخرة – المستشفى لارنس” – التي ارسلتها الحكومة الفرنسية- والراسية قبالة مرفأ صيدا تتسع لمئة جريح. وهو رقم لم يفتن حفره في ذاكرتي. لأنني وجدته قابلاً للاستفادة منه بالوقت الملائم. باشرت على الفور الاتصال بمسؤولي المستشفيات في بيروت الغربية والضاحية الجنوبية وصيدا. طلبت منهم اعداد لوائح باسماء الجرحى. ثم زرت مستشفى الجامعة الاميركية ومستشفى الساحل. اتبعت الزيارة باجتماع عقد في منزل الرئيس الحص حضره ممثلو الهيئات الاهلية والدفاع المدني. أخذ القرار بالتحرك من امام منزله بخلال ساعات باتجاه مرفأ صيدا مع الجرحى في السيارات برفقة كوشنير والسفير الفرنسي. بلغ مجموع الجرحى في مرفأ صيدا 78 جريحاً بينهم 8 يتنفسون بالهواء الاصطناعي. هؤلاء في خطر شديد. مشهد الشاطىء اشبه بتظاهرة. حيث احتشد اهالي الجرحى ومندوبو وسائل الاعلام. غصت المساحة بحشد كبير. يتذكر د. كامل مهنا: ان اشكالاً – يتحمل مسؤوليته شخصياً- وقع بعيد وصول موكب الوزير كوشنير الى المرفأ. “اذ فاتني ان اضع الصديق المرحوم مصطفى سعد في اجواء المهمة المنوطة بنا. خضع مرفأ صيدا، في تلك الفترة، لسلطة “التنظيم الشعبي الناصري”. وبسبب عدم معرفة “ابو معروف” بمهمتنا الطامحة الى تسفير الجرحى، لكي يعودوا سالمين معافين، اعترض المسلحون موكب الوزير الفرنسي ومعه السفير. وقتها: تبين ان السفارة الفرنسية ايضاً لم تتصل به. تفهم كوشنير الوضع. قصد برفقة السفير مكتب “القائد الصيداوي” حيث تم حل الاشكال. بعد عودتهما: طلب الوزير من مساعده د. جاك بونو اختيار الجرحى الذين سيتم نقلهم الى فرنسا. بدأ الاخير يضع رقماً، بقلم ، على زند كل جريح تتم الموافقة على سفره. لم يرق الامرلي. وجدت ان ذلك أشبه بما يقوم به رعاة البقر الاميركيين. ثم انني رغبت بنقل جميع الجرحى الموجودين في المرفأ الى فرنسا لسببين: الاول، ان حالتهم تستدعي متابعة العلاج في مستشفيات متخصصة تملك تجهيزات حديثة. والثاني، لانني كنت اعلم ان الباخرة تتسع لمائة جريح. وان عدد الجرحى الاجمالي في المرفأ هو 78 جريحاً. اي اقل من القدرة الاستيعابية للباخرة. لاحظ برنارد عدم مشاركتي بمعاينة الجرحى. كما ان وضع شارات، على زنود الجرحى، اثار حفيظتي. اعتبرت ذلك غير لائق بالرسالة الانسانية الخاصة بنا كأطباء وكمسؤولين.
وقفت والصديق كوشنير مقابل بعضنا البعض على سطح المركب الذي استقر فيه ثلاثون جريحاً. تلخصت المشكلة بوجود 14 جريحاً من “المنطقة الشرقية” يقابلهم 78 جريحاً من ” المنطقة الغربية”. خلل الارقام له حساباته السياسية بالموقف الفرنسي المتعاطف مع فريق لبناني أكثر من الفريق الآخر ( بشكل ضمني، قد يؤدي الافصاح عنه الى احراج الحكومة الفرنسية). غلب موقفي الحازم ، الابعاد الانسانية على الابعاد السياسية. حاول الوزير كوشنير ايجاد حل وسط باقتراح نقل نصف الجرحى الموجودين في المرفأ. سألته عندها: تريد مني ان اشرح للاهالي الذين حضروا الى هنا، وكلهم ثقة بمبادرة حكومتكم، أسباب الامتناع عن قبول جرحاهم ضمن البعثة؟ كيف نبرر لهم ذلك؟ وضعته امام خيارين : اما ان يتم نقل جميع الجرحى الموجودين في المرفأ الى الباخرة. او لا ننقل اي جريح. عرفت دائماً انه انسان محب للمغامرة والتحديات. عرفت انه يحترم صداقاته. وخصوصاً حين تقوم على التزام انساني لا تحدّه أعراق او اجناس او قوميات. . أجابني -عندما ذكرته بأن الباخرة تتسع لمائة سرير- هذه هي رغبتك؟ اجبته بنعم. قال مبتسماً: حسناً. لك ما تريد. تعانقنا. ثم بدأت عملية نقل الجرحى الى الباخرة. ثم صعدنا معاً الى الباخرة – المستشفى. ثم سألتني مراسلة التلفزيون الفرنسي عن عدد الجرحى المسلمين على متن الباخرة. اجبتها: انهم موجودون بلا طوائفهم ولا مذاهبهم ومناطقهم. اجبتها: انني لا اعرف معظمهم. اشرت الى ان هناك جرحى مسيحيون جاؤوا من “المنطقة الغربية” . الامر يتعلق بمصائر بشر. لن يمد احد يده الى مال يخص غيره. هذه رحلة بحاجة الى الكثير من الشجاعة. وليس كثيراً ان نطلب من العناية الالهية ان تساعدنا قليلاً، في الطريق المزروعة بالاخطار والالغام. الانسان واحد. لا فرق بين واحد وآخر. قال. ثم صمت.
ابحرت الباخرة الى مرفأ لارنكا في قبرص. منها: تم نقل الجرحى بواسطة طائرة خاصة الى فرنسا. استقبلهم هناك وزير الصحة الفرنسي كلود ايفان. هناك: سأله صحافيون: كيف تقبل معالجة جرحى اتين من بيروت الغربية؟ اجابهم: انهم جرحى في حالة الخطر الشديد. وليس مهماً من اين أتوا. “هكذا تمكنا من خلال عملية انسانية تصويب الموقف السياسي للحكومة الفرنسية، اقامة توازن مع وسائل الاعلام الغربية مع الوضع الميداني. تلمس د. مهنا ذلك دائماً: تصويب الاشياء، تصويب العلاقات، التوازنات. انه صاحب صوت معاكس للريح. اتهمت فر نسا بالحرب الاخيرة “حزب الله” بالارهاب. انتصر عناده وقلبه على نزوات الآخرين. اقنع الفرنسيين بانهم اسر تدافع عن منازلها. وبأنهم لبنانيون احتلوا اجزاءهم في الحياة المدنية اللبنانية. وبانهم مدافعون اولاً واخيراً ضد عدوان استهدف بلدهم. تلمست مرارة اعلان الموقف الآخر، قبل ان يصوبه. نجح. لم يرو،كما تفعل شهرزاد . صمت فوراً عن الكلام المباح.
توالت المبادرات الانسانية نحو لبنان من جانب البلدان الشقيقة والصديقة. طلبت الحكومة الكويتية، عبر سفيرها في لبنان وسوريا السيد الجاسم من حكومتي د. سليم الحص والعماد ميشال عون اعداد بعثة من 50 جريحاً لإرسالهم الى الكويت. توزع العدد مناصفة بين المنطقتين “الشرقية” و “الغربية” . استطاعت مؤسسة “عامل” ان تجمع من المستشفيات 73 جريحاً. قدم من المنطقة الشرقية تسعة جرحى. وصل العدد الى 82 جريحاً. اي: بزيادة32 جريحاً عن المطلوب. الا ان السفير الجاسم وافق على الزيادة هذه بعد الحاح من رئيس المؤسسة ومن المهندس محمد قباني مستشار الرئيس الحص. تم نقلهم الى مطار دمشق، حيث انتظرهم فريق طبي كويتي حضر بطائرة خاصة. حاول الاخير اعادة عدد من الجرحى الى بيروت. اوحى د. مهنا بانهم مرضى. وبانهم ليسوا من جيش الخيالة السابع. وان عودتهم الى بيروت اشبه بانتزاع قلوبهم. هكذا طار الجميع في ريح الرافة والانسانية العاليين، بلا اشارات مريعة. لم ينتظر الطبيب أوشحة متطايرة في الريح. او اوسمة ثقيلة. كفاه ما انجزه.
تابع د. مهنا عن كثب، بالشهور اللاحقة وعبر تسلسل صداقاته، جملة من الخطوات الضرورية. نظم شبكة مراقبة بذهنه. قام بمهامه مثل شبح صامت. حوّل ارض بور الى حديقة في بيت جريح او معوق. تعذب ولم يبح وهو يمضي في خياراته. لن يعامل احداً بقسوة. الا نفسه. قسا عليها كثيراً. قسا عليها دائماً في صالح الآخرين. سلوك رهباني بحياة مدنية. ساهم بوضع لوائح بالمحتويات. وضع لوائح بالضرورات. لوائح بالناقص والزائد. تعلق بكنزه الوحيد: مساعدة الناس او المساهمة بمساعدتهم. ثعلب مكـّار . انه كذلك لمن لا يعرفه. قلب على قدمين. انه كذلك لمن لا يعرفه. اوصى على حياته في حياته وهو يخط حضوره بالمهمات الصعبة، القاتلة، المميتة. نجا باستثماره شجاعته و حكمته في آن. النتيجة: بلا نتيجة محددة. بل سلسلة لا تنتهي. اولاً: توقيع البروتوكول الطبي بين وزارة الصحة الفرنسية ووزارة الصحة اللبنانية. وقعه الوزير مروان حمادة في المختبر المركزي في بيروت. حضر التوقيع. ثم كلف بالاشراف على التنفيذ. الاهم ان صديقه كوشنير سأله في آخر زيارة له الى فرنسا – قبل توقيع البروتوكول هذا – عن ما يستطيع ان يقدمه كوزير للصحة. أشار د.مهنا الى وجود 1200 طبيب لبناني، لا يزالون يقيمون بفرنسا بعد ان حازوا شهادات اختصاصهم من جامعاتها. انهم مضطرون الى مغادرتها، بسبب القوانين الفرنسية. قوانين فرنسا تجبرهم على ذلك. دعوهم بفرنسا، اسمحوا لهم ان يبقوا او ان يعملوا بشكل شرعي لديكم. اخذ كوشنير بذلك. لم يدر احد من الاطباء الالف وزيادة بذلك. لأن الطبيب اللبناني لم ينتظر _ في طلبه – ان تصله اوعية مليئة بالزهور والفواكه. ولا أن تصدح الموسيقى حوله. سوى موسيقى قلبه المحب.

جدول التعاون بين مؤسسة عامل والحكومات والهيئات الدولية عق الاجتياح الاسرائيلي للبنان

بين عامي 1982 و 1990

الحكومات او الهيئات الدولية قنوات التعاون واطره

الحكومة اللبنانية عبر وزارة الصحة

الحكومة الفرنسية – من خلال ممثل الرئيس ميتران الكسندر منسوفسكي الذي اطلع على معاناة الضاحية الجنوبية وحذّر من ارتكاب اسرائيل المجازر في لبنان

– ارسال 22 طفلاً الى فرنسا للعلاج عام 1984 ، 78 جريحاً اثناء “حرب التحرير” ، 570 آخرين خلال عامي 1989 و 1990

– معالجة 100 جريح في مستشفى “أوتيل ديو” عام 1989 على نفقة الحكومة الفرنسية.

الحكومة الايطالية – استقبال 75 جريحاً في المستشفيات الايطالية، وارسال فرق طبي الى لبنان للعمل مع المؤسسة.

الحكومة البلجيكية معالجة 7 اطفال

الحكومة الهولندية ايفاد بعثة أخصائيين في تركيب الاطراف الاصطناعية الى مركز المشرفية التابع للمؤسسة وتركيب 400 طرف اصطناعي لمعاقي الحرب.

الحكومة السويديّة عبر سفيرها وبعثات طبية عملت مع المؤسسة في المستشفى الميداني في المصيطبة .

الحكومة الالمانية عبر سفيرها وبعثات طبية عملت مع المؤسسة

الحكومة الاوسترالية مساعدة المؤسسة عبر نواب أوستراليين زاروا مكاتب المؤسسة.

اللجنة العربية الاميركية لمحاربة التمييز (ADC) ارسال 78 من جرحى الاجتياح الاسرائيلي الى مستشفيات الولايات المتحدة الاميركية عبر الـ (ADC)

الحكومة الكويتية استقبال 82 جريحاً عام .1989

اللجنة الدولية للصليب الاحمر مساعدات مباشرة الى المستشفيات الميدانية التابعة للمؤسسة.

منظمة اليونيسف مساعدات مباشرة الى المستشفيات الميدانية التابعة للمؤسسة.

ولجت مؤسسة عامل من الثقوب السوداء للحرب الاهلية اللبنانية الى المغامرة. اخذها شغف العاملين فيها الى ذلك. قفزت المؤسسة، قفز رئيسها فوق ظروف الحروب المتتالية وتسمياتها. لم يقف احد هنا امام: الحرب الاهلية اللبنانية. او حروب الآخرين على ارض لبنان. او المؤامرة الدولية. قفز الشهود العيان الاستثنائيون فوق كل شيء، لكي يؤكدوا التراكيب الممكنة في النظام المهدد بالسقوط، بالكيان القائم على الفذلكة ومشاهد الحروب المشهودة. دخل البلد الصغير في هاويته، انزلق الى مطبه الاكبر منذ قيامه. شد اعضاء “عامل” ايديهم على اسلحتهم. وهي غير اسلحة الزيت والمازوت. تحصنوا بالمؤسسة وبامكاناتها المحدودة بالطريق الى الجبهات المدورة حضورها بين خمود واشتعال. لا بد من مشاريع مركزية. لا بد من تقدير القوى الذاتية بظروف الحرب. وقد بدت هذه غير قليلة. لذا: وضعت المؤسسة -خلال سنوات الاقتتال اللبناني والحرب بالتسميات الكثيرة الخاصة بها- خطة استراتيجية انبتت على انشاء المشاريع كبرى في مناطق عديدة ومختلفة بلبنان.اولها: مستشفى حارة حريك. مبنى مؤلف من تسع طبقات بمئة سرير. تم شراء المبنى، لكي يتسع لمئة سرير معطوفة على مدرسة تمريض زائد قسم لبرامج رعاية الصحة الاولية. اشرفت عليه هيئة الرعاية الوطنية برئاسة د. سليم الحص. حالت الظروف المادية دون استكمال ارتفاعه وارتفاع الغاية منه. ثانيها: مشروع مستشفى صور. اذ اشترت المؤسسة ارضاً بلغت مساحتها اربعة الاف متر مربع. انجزت الدراسات الخاصة به. وتوقف هنا: بسبب عدم توافر الاموال اللازمة. ثالثها: مشروع مجتمع تأهيل المعوقين. حيث تم شراء مبنى من سبع طبقات في منطقة المصيطبة ببيروت. بخطة: تأهيل المعوق في بيئته وتأمينه بعمل، عوض ايوائه في مؤسسات كبرى، تعزله عن محيطه وتضعف ثقته بنفسه. تم اعتماد منهجية الاتحاد الدولي هنا، بخطتها الهرمية. تم التركيز – في جهة ثانية – على برامج الرعاية الصحية الأولية والوقائية.
غابت جملة من المشاريع الخاصة بالمؤسسة بسبب فقدان المال. اذ ساعدت هيئات اجنبية ( 33 هيئة تقريباً) بين العام 1982 والعام 1989 بنصف مليون دولار سنوياً . انفقت المؤسسة 65% من القيمة الاجمالية على البرامج التنموية. بالاخص: دورات التأهيل المهني. دورات تمريض واسعاف اولي ودفاع مدني و محو أمية وتعليم لغات اجنبية وطباعة وخياطة. انفقت المؤسسة ما تبقى على برامج الطوارىء. بقيت جهود المتطوعين بلا حساب. وهذا عادي. الا ان اللاعادي هو انحسار المساعدات مع توقف الحرب. تكيفت المؤسسة مع ذلك مشرعنة حضور مراكزها بوضع انظمة شغل مالية وادارية. بقيت المؤسسة ناشطة بالاطار الاقتصادي والاجتماعي البنيوي ببرنامج طوارىء قوي وبرنامج تنموي واسع يقوم على تقديم خدمات خاصة بالاهالي بالمنطاق الشعبية: تعزيز الخدمات المخصصة بالنساء. لحظ حاجات الشباب. انشاء المزيد من الوحدات التنموية. القيام بانشطة من شأنها زيادة الوعي حول ثقافة الحقوق وبناء الوطن – الانسان بالطريق الى ارساء قواعد الدولة المدنية المنشودة.
ساهمت الهيئات غير الحكومية – خلال الحرب الاهلية اللبنانية- بالحفاظ على بنى المجتمع. هيئات ضد التقسيم . بنت المؤسسات هذه ورممت. النتيجة: ازدهار حضورها من فاعلياتها على الارض. تبين دراسة اجرتها “دار التنمية” عام 1995 : انه من اصل تسع منظمات شملتها الدراسة – البحث هنا: اثنتان تابعتان للكنيسة. اثنتان على صلة وثيقة بالمؤسسات الاسلامية الدينية. واحدة: فرع من منظمة اهلية دولية . اربع منظمات مدنية. قدمت هذه خدماتها لكل الناس بعيداً من الانتماءات الدينية والعرقية والسياسية.
يحدد قياديون بالعمل الاهلي في لبنان، المساهمة السنوية للجمعيات الأهلية في الاقتصاد الوطني بحوالي : 300 مليون دولار اميركي. بدون احتساب جهد المتطوعين. يحدد قياديون ان عدد العاملين في القطاع الاهلي يقارب الستة آلاف شخص. كما ان منظمة الصحة العالمية في تقريرها عن الوضع الصحي في لبنان، حددت مساهمة القطاع الأهلي في كلفة الصحة في لبنان بعشرة في المائة (10%) من الاجمالي العام. يؤكد وزير الصحة العامة في مشروعه حول اصلاح النظام الصحي : ان القطاع الاهلي يملك سبعمائة مركز صحي من اصل ثمانمائة موجودة على الاراضي اللبنانية. اعتبر : ان التعاون مع القطاع الأهلي في تنفيذ البرامج الوقائية اثبت فاعليته. ما معناه: اهمية تعزيز هذا التعاون واعتبار العلاقة المتجسدة بعقود مع مراكز المؤسسات الأهلية بادرة مهمة تستحق الدعم ( النهار 19/8/1997).
برزت بعد الحرب الحاجة الى اعادة تنظيم المؤسسة بما يتلاءم ومتطلبات المرحلة المقبلة. نظمت انتخابات هيئة ادارية جديدة عام 1991 “في جو من المنافسة الحرة”. بحيث شهدت هذه العملية اتصالات ناشطة ومفاوضات حثيثة وتشكيل اكثر من لائحة. اكدت التجربة هذه داخل مؤسسة خارجة للتو من حرب مديدة، ان “عامل” قائمة على أسس عمل بآفاق، كما يؤكد د. كامل مهنا. اثرها: تم تحديد الصلاحيات الادارية والمالية وطرق تحضير الموازنة وصرف الاموال وتنظيم العلاقة المحاسبية والادارية وتحديد المسؤوليات في كل مركز، عبر شركة متخصصة. طلبت “عامل” من شركة “احمد عبد الباقي للمحاسبة والتدقيق” وضع دراسة. وهي تضمنت نظاماً خاصاً بالمحاسبة والتدقيق وطرق التصنيف والبنية التنظيمية والادارية وطرقاً مفصلة لزيادة المداخيل. وضع التنظيم المقترح موضع التنفيذ وفقاً للخطة المقترحة، حين حددت الهيكلية الجديدة حدود المسؤوليات لكل موقع ولطرق المساءلة واتجاهاتها. نظمت البنية الادارية من جديد وصنفت الموجودات ووضع النظام المالي في الاولويات. تم اعتماد مستشار قانوني بهدف تنظيم ممتلكات المؤسسة وتصويب قراراتها: المحامي نبيل مشموشي. اشرف الرجل – متطوعا-ً على قضايا “عامل” القانونية منذ تأسيسها. الاهم: اقرار نظام العمل في المؤسسة من قبل وزارة العمل. اقرار نظام مالي أعدته شركة المحاسبة والتدقيق بالتعاون مع الادارة المالية. جرى العمل به عام 1993. رافقت عملية التنظيم الاداري والمالي عام 1991 ازمة داخلية في ازمة أكبر. وجد فيها – البعض- فرجاً. ووجد البعض الآخر : انها أزمة في أزمة. تباين بالتقدير. حيث اعتبر جزء : ان التنظيم هذا ينتقص من صلاحياتهم. انتهى الارتباك الاداري عام 1994 بعد الولوج في خطوط سرد طولية وعرضية. خطوط سرد تباينت بين الكوادر العاملية. لا هروب من الحقيقة. ولا هروب من نشيد المؤسسة الجديد. بنت الاخيرة لغة جارفة كرست نزوعاً جارفاً الى وعي لا يوقع اصحابه في هذيانات او مناخات هاذية. بل في مناخ حرية لا تقارب الهاوية ولا تقع فيها. لم تعد المؤسسة /مذاك / احياء متفارقة مقصوفة بالشك او مذبوحة بالهشاشة والزئير الفارغ والزمجرة والقرقعة.
ارتضى مقاتلو المؤسسة، وهم ليسوا مقاتلين مليشويين، بناء دولتهم في دولة لبنان – الساحة الشيطانية – بانسانية غير مزعومة. شاهدوا بأم العين قعر العالم. وجدوا اناساً كثيرين في القعر هذا. دلقوا مياههم الغزيرة، لا لكي يغرقوا الناس، بل لكي يطوفوهم، بعد ان قذفوا بساحات البداءة المتوهجة بالآت القتل والدمار وتوابعها. ارادت المؤسسة ان تضيق حدود المدى الاستباحي للناس. حصنت ذلك بقرار الجمعية العمومية عام 1993، وبتلمس المعطيات الاستراتيجية للمرحلة المقبلة، بالاتفاق والهيئة الهولندية للتعاون من أجل التنمية (NOVIB). تجلى ذلك بدراسة تقويم للأوضاع والإمكانيات في المؤسسة (Evaluation) باشراف فريق من خبراء لبنانيين : د. احمد البعلبكي. باحث اجتماعي في التنمية واستاذ في الجامعة اللبنانية (رئيس الفريق). د. انطوان حداد خبير استشاري في التنمية واستاذ في الجامعة اللبنانية (عضو). د. آمال منصور رئيسة برنامج الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة العامة (عضو) . تم انجاز التقرير في الفترة الواقعة بين نيسان وأيار من العام 1994.
ذهبت المؤسسة الى ساحة غادرها الناس والعالم والحياة. لم يبق فيها الا الضحايا والعجزة والقتلة والمجانين. خرجت من لوثة الحرب الى دمغة العقل. ارادت ان تمحو كل ما يقف في وجه المدينة السوية. بل ما يقف في وجه الدولة السوية. بلا نوستالجيا مرضية. توافق اعضاء الفريق على فهم للتقييم يندرج على اربع مراحل: تقييم تحليلي نقدي لمؤسسة “عامل” يراعي المنهجيات الاستقصائية والنظرية في دراسة تجربتها الغنية بعلاقاتها وطموحاتها ومعضلاتها الناجمة –في قسم اساسي منها – عن التدني في مستوى المشاركة في المؤسسة وفي مستوى المساءلة لدى الاطراف الشعبية المستفيدة منها او لدى المؤسسات الداخلية والخارجية التي ساندتها بشروط قليلة في زمن الحرب والاغاثة. جاء في التقرير، وهو تقرير امساك بالحبائل وامساك الحبائل بماسكها الخارج من جلجلة الحرب: اختار فريق الخبراء منهجية خاصة بهم ( مع مراعاة مفاهيمية “Novib” و “عامل” ) عبر معاينة المراكز والفئات بالعينة. تم اختيار حوالي ثلث المراكز الناشطة لزيارتها، علماً أن “عامل” في تلك الفترة كانت تضم 27 مركزاً تستحوذ على 85 نشاطاً صحياً، اجتماعياً وتربوياً، منتشرة من أقاصي البقاع ( في الهرمل) الى أقاصي الجنوب الشرقي (في الخيام). أي ينتشر القسم الاكبر منها في اطراف البلاد والمناطق الريفية. أمكن في تلك الزيارات: اجراء المقابلات وتعبئة الاستمارات التفصيلية عن أوضاع المراكز وانشطتها. حيث تم توزيع 109 استمارات مغلقة. أعيد منها – خلال اسبوعين – ما يراوح نسبة الثلثين والنصف. برز- هنا – تدني الاهتمام بالاستمارات في أوساط الداعمين (2/10). وصلت نسبة الاناث في الاستمارات المعبأة الى ما يقارب الاربعين بالمئة.
عبرت إجابات العاملين في المؤسسة من خلال التقييم ( في ظل تحديات البطالة والتهجير والغلاء وأزمة السكن والاحتلال وباقي القضايا الاجتماعية) عن القلق حيال كيفية المواجهة في المستقبل في ظل المنافسة الشديدة، وعن الخوف على ماض فيه التزام واندفاع وتطوع مختلف عما هو “انساني” /مدني/ آتٍ. حدث هذا دون الادراك الفعلي لأهمية التشاركية، كونها كلمة السر في التنمية الذاتية، ” والتي تميزها عن المؤسسات الطائفية القائمة على التمييز الفئوي بين الجماعات”.
اعتبر اجمالي إجابات العاملين في المؤسسة من خلال التقييم الذي أجراه الخبراء :ان التأهيل المهني والتشغيل يأتي في المرتبة الثالثة، بعد الرعاية الصحية الأولية وإعادة هيكلة مؤسسة عامل. ثم ان تدني الإجابات حول التثقيف الاجتماعي- خاصة في فترة انتهاء الحرب الأهلية وبدء مسيرة السلم الأهلي في البلاد- دل على تراجع الوعي النقدي السياسي لأعضاء المؤسسة. شكل هذا اسهاماً في اضعاف عمليات تأهيل الناس، لكي يعوا اوضاعهم. لكي يسائلوا حولها، سواء امام الهيئات المحلية او امام السلطة العامة في البلاد. غير ان التقرير اشار في خطته الثانية الى انه يوجد داخل مؤسسة ” عامل” تفاوت بين الفئات في مستوى الاهتمام وأولوية الاهداف. ظهر ذلك في ترتيب الاهتمامات بالدراسة. اذ جاءت الرعاية الصحية الأولية في المرتبة الاولى. تلتها تنمية المجتمع المحلي. ثم الخدمات والتثقيف والتوعية.
ارتفاع اهمية حقوق الانسان لدى القيادة، قابله انخفاض الاهمية هذه لدى العاملين في المؤسسة. فسرت الفجوة ( في تلك الفترة التي أجري فيها التقويم بعام 1994) بانكفاء العديد من الكوادر الناشطة والمتلزمة بالعمل الاجتماعي عن اداء دورها. لا سيما بعد تفاقم الازمة السياسية والمالية في المؤسسة الناتجة عن مركزة التنظيم وانعدام المبادرة لدى كوادر المراكز واتباعهم طرائق التكيف السلبي في معالجة الأمور والمشاكل . لوحظت فجوات عديدة أخرى في عمل المراكز. كغياب توثيق الانشطة والمدفوعات ولمقبوضات .استعيض عن ذلك بملء نماذج طبعت منذ سنوات بروتين رهيب.
اشار تقرير الهيئة الادارية عام 1993 الى صعوبة تطبيق نظام العمل. وعدم تمكن الادارة من القيام بممارسة رقابة فاعلة منظمة ودائمة على العمل الاداري في مختلف المراكز. يضاف الى ذلك: صعوبات على مستوى النشاطات الصحية والتربوية والتأهيل المهني والاعلامي.
لا تزال اللغة الصاخبة سيدة اللعبة، بلا انفعالات مؤذية. لا مدعاة للرعب اذن. بل ادراك التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد انتهاء الحرب. ما أدى الى تراجع الخطاب الراديكالي في لبنان. توقف برنامج الطوارىء. تراجعت المساعدات الخارجية، ما اضطر المؤسسة الى تسريح قسم كبير من العاملين المتفرغين البالغ عددهم 250 عاملاً. تم دمج بعض المراكز . الغي بعضها. عدلت انشطة في ضوء التقييم والخطة الاستراتيجية.
– تروي الحياة ما ترويه. ويروي الناس ما يرونه. حياة لم يستطع ناس الحرب بعمومهم ادراكها امام سكرات الموت. جاءت اشغال المؤسسات الاهلية كالنثر الرشيق الفضاح. لن يستسلم الكثيرون الى عويل مفجوع كامن في الاعماق ولا الى الجنون.”عامل” بناسها بالمقدم. اما في مرحلة السلم : بقيت الاعباء كبيرة بسبب عدم تطبيق مقررات “الطائف” بخاصة حول اللامركزية الادارية والانماء المتوازن باستمرار نظام المحاصصة.

تراجعت الطموحات والمشاريع التنموية والاصلاحية. بقي المجتمع المدني دون القدرة على بلورة دوره الخاص. هكذا غابت الروح الفردية الخلاقة والروح الجماعية داخل المنظمات هذه.

يربط د. كامل مهنا ذلك بالعائق التشريعي: ان التشريعات الناظمة للعلاقة بالحكومة والتطبيق الخاطىء يلغي استقلالية المؤسسات الاهلية وبنى المجتمع المدني. يؤكد: ان احد أهم العقبات الاساسية امام الفاعلية التنموية لبنى المجتمع المدني هو في طبيعة برامج المنظمات نفسها ، المعتمد اسلوباً مؤقتاً، لا ينسجم مع المفاهيم الجديدة في اعطاء الأولوية للعامل البشري و توسيع قاعدة المشاركة في عملية التنمية وصدور المبادرة عن الجماعات المتضررة. واقتران الخدمة بتحفيز المشاركة والعمل النشيط من الجماعات المستهدفة في تحقيق اهدافها. يؤكد بعدها : ان ثمة عقبات من جملة العقبات المذكورة من عدم توفر أهلية داخلية لدى المؤسسات هذه (التزام الاعضاء في الهيئات بمبادىء التنمية) الى تمليك الاعضاء العاملين الرؤية التنموية باشراكهم بالميدانيات وتمكينهم من الاستفادة من الطاقات المتوفرة محلياً ودعم المبادرات الفردية والعامة وتنميتها في الطريق الى بناء وتكوين قيادات محلية. يركز الرجل الخبير على معوقات لها علاقة بطبيعة العمل الاجتماعي. اذ يبرز فيه، كما هو الحال في الواقع السياسي، نوع من الصر اع على مناطق النفوذ. يتم التعبير عن الصراع هذا باشكال مختلفة: مناطقية، حزبية طائفية… الى آخره. يتم الاتفاق على اقتسام مناطق النفوذ، بتحالف هيئات تشكل اطاراً تنسيقياً فيما بينها. عندها تنشأ اطارات أخرى في المقابل. ثم ان طبيعة الجمعيات لن تلبث ان تنعكس على العمل المشترك. ذلك انه توجد مجمعات كبرى (امبراطوريات) تملك شعارات وادبيات واعلام تميز بروح نرجسية. هذا غالباً – لدى الجمعيات الصغرى- من احساسها بعدم القدرة على تقديم انجازات اساسية، قياساً على ما تستطيعه الجمعيات الكبرى. تولد عندها عقدة نقص. يولد شعور بالاضطهاد.
رجل ضليع بالايقاع. رجل لا يخور خوفاً امام حالات انسانية مزعومة او في دياجير الخوف. ترك الرجل الدرجة صفر خلفه منذ ازمان بعيدة. انه يمحو التوقعات الخربة في صالح التوقعات الأخرى. نحن – هنا – في ازاء تجربة مستدامة، ازاء تجربة حياة ذات بنية روائية متماسكة. لا علاقة لها بأطلال النصوص. بنية صادقة مفعمة بالصدق وادانه الشر الذي حكم المدينة كإله. بقي الرجل ورفاقه في مؤسستهم. وهي لم ترتمي مفككة المعالم، جاحظة العينين، بشعر منفوش. ابطال المحنة، كرموا تجربتهم بقراءة التجربة بعين النقد المحركة. قرأوا اولاً: عمق الفجوة بين النظرية والتطبيق. ثانياً: تخلف بر امج عمل وهياكل المنظمات. ضعف الممارسة الديمقراطية الداخلية. التنافس ،التكرار ،الانقسام بين المنظمات غير الحكومية. قصور البناء الاداري والمؤسسي ،ضعف العامل الذاتي لأعضاء الشبكات الذين يقبلون بأن تنحصر مسؤولية العمل المشترك في عدد محدود من الاشخاص، غياب البعد الاعلامي للتوعية وتهيئة المناخ، قصور نظام المعلومات. ثالثاً: وجود بعض شبكات وهمية بقرار افراد او هيئات بطموح التمثيل والسياحة في المؤتمرات والسفر الدائم، باعتماد خطاب حقوق الانسان والتنمية بشراكة وكلاء محليين مارسوا الـ Charity business، بحسب د. مهنا.
لن تقتصر الاصداء الموحشة في الخراب الناجز، لن تقتصر الاصداء الموحشة بالمؤسسات الاهلية. سوف يصيب الخراب الناجز الحكومة، السلطة، الدولة، بغياب النظام السياسي العادل والمنصف وبغياب فهم الجمهور. حكومات تؤبن. لا تفعل سوى ان تؤبن وتمنح اوسمة ترشق فوق النعوش وسط عراضات صوتية ومهرجانات شوفنية تقيمها في ازقة الحرب او في شوارع السلام. لا مخاتلة في كلام د. مهنا وهو يعدد الالعاب المجنحة الخطرة التي تمارسها الدولة.

1- غياب الديمقراطية السياسية والمجتمعية.

2- تقليص المشاركة الاهلية والشعبية في ادارة المجتمع وصنع القرار السياسي.

3- بيروقراطية الدولة وعدم قيامها بمسؤولياتها ازاء متطلبات واحتياجات المواطنين.

4- المركزية وسيادة منطق الاستبداد الابوي والسياسي والتي تؤدي الى مصادرة العمل المدني وتقليصه.

5- التشريعات المعيقة لدور الفرد والمجتمع المتعارضة مع الديمقراطية وحقوق الانسان وخصوصاً تشريعات الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني.

6- محاولات النظام للالتفاف حول دور المنظمات غير الحكومية، بخلق منظمات تابعة للاجهزة التنفيذية للدولة والادعاء بأنها منظمات غير حكومية، ذلك لاستقطاب التمويلات الدولية، واجهاض الدور الفعلي لهذه المنظمات.

7- ان سياسة التمييز من قبل القطاع العام بين جمعية وأخرى، ينعكس على العلاقة الداخلية بين الهيئات الاهلية، خصوصاً فيما يتعلق بتوزيع المساعدات والادوار واتخاذ المواقف من السياسة الاجتماعية والانمائية للحكومة.

8- ان الخطط الاقتصادية المعتمدة لا تقوم على ترابط البعدين الاقتصادي والاجتماعي ضمن استراتيجية تنموية واحدة توفر الحماية الاجتماعية. ما ساهم – ويساهم – في افقار الاكثرية الساحقة من المواطنين ويزيد باضطراد الفئات المهمشة. يؤدي هذا الى زيادة الاعباء على منظمات المجتمع المدني. كما يؤدي الى توتر العلاقة بينها وبين جمهورها. جمهور يئن امام هيئات غير قادرة على التجاوب مع طلباته.

9- ان عدم توفر الاحصاءات والمعلومات الدقيقة يغيب القدرة على وضع سياسة وطنية انمائية شاملة، تحدد من خلالها ادوار الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والخاصة والدولية. النتيجة: ازدواجية في المشاريع وهدر الطاقات وبعثرة الجهود.

10- تفاوت العلاقة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني.

عنده: ان ما يعوق الشراكة مع الهيئات المانحة هو استمرار العديد منها في التعاطي بذهنية “المشروع” “والمساعدة” الموروثة عن الاستعمار، بدل التعاطي بروح الشراكة الاجتماعية. ذلك ان الجزء الاكبر من المساعدات يصرف على انجاز الدراسات واقامة المؤتمرات وبرامج التدريب والتأهيل، وليس بالشغل على تقوية القدرات الذاتية لكل جمعية وللشبكات التي تعمل على تعزيز برامج التنمية الذاتية. هذا الى تراجع حجم المساعدات. يعطف هذا على تعاظم النظرة الفوقية في ظل سياسة اقتصاد السوق وطغيان المادية على ما عداها، بالرغم من خطابات التنمية المستدامة وحقوق الانسان.

بتثبيت السلام والاستقرار، بعد مرحلة الحرب الطويلة، وجدت مؤسسة “عامل” نفسها أمام خيارين: اما الانهيار الفعلي. او ابتكار حلول بديلة من أجل تأمين تمويل يجنبها المصير القاتم. تم اعتماد خطة وقائية مؤلفة من شقين: الاول عنوانه اعتماد سياسة الاكتفاء الذاتي. والثاني عنوانه التعاون مع القطاع الخاص. تمكنت المؤسسة بذلك من تأمين 53 % من المصاريف. حذت حذو “عامل” العديد من الجمعيات.

اشعرت المساهمات الرمزية المواطنين بمسؤولياتهم وبمشاركتهم في تسيير عمل المراكز التابعة للمؤسسة. ساهم انجاح بعض تجارب اللجان المحلية بالاشراف على نشاطات المراكز. ذلك ان في خطة “عامل” الاستراتيجية: ان المؤسسات الانسانية هي مؤسسات “شأن عام” . تقرر تنفيذ الخطة هذه بتكليف فروع “عامل” القيام بنشاط اجتماعي سنوي يتم عبره تأمين دعم للفرع ما يساهم في سد العجز المالي. دأبت فروع صور، البازورية، الخيام ( مرجعيون – حاصبيا)، الضاحية الجنوبية وبيروت على القيام بنشاطات دورية أمنت موارد منتظمة للمؤسسة. بات للمؤسسة – بالمقابل- اصدقاء قدموا مساهمات دعم سنوية. تبرعوا عبر قسائم ارسالتها المؤسسة. تفعيل نشاطها وبرامجها. ثمة مسالك اخرى داعمة: حفلات تقيمها المؤسسة في بيروت والمناطق، يتبرع اليهم خلالها مدعوون من فئات المجتمع اللبناني بلا استثناء . تقليد سنوي يؤمن لـ “عامل” الدعم المادي والدعم المعنوي.

أنفت الروح المكشوفة باحيان ان تترك قدرها يجتاحها. لذا: بظل النقص الحاد في الموارد البشرية المهنية ( الاخصائي التقني / Technicien) في لبنان، تعاقدت “عامل”مع ” معهد بيبلوس” من أجل انشاء “معهد مهني وتقني” . بدأ العمل فيه عام 1998. سمح ذلك للمؤسسة بتأمين جزء من مصاريفها وبالتالي تجنب الانهيار. الاهم انها تجربة مبتكرة بـ:

أ- نقل تجربة ناجحة في المجال المهني والتقني ( معهد بيبلوس) من منطقتي الدورة وفرن الشباك الى الضاحية الجنوبية. تزويد المئات من الشباب اللبناني سنوياً ( خصوصاً من المناطق الشعبية) باختصاصات مهنية متطورة.

ب -تأمين موارد مالية للمؤسسة ( الحصول على 15 % من المدخول على ان لا تقل كحد أدنى عن 75 الف دولار اميريكي سنوياً).

ج- تعزيز العلاقة بين القطاع الاهلي والقطاع الخاص، اي استفادة القطاع الاهلي من الكفاءة المهنية والتنظيم الموجود لدى القطاع الخاص وزيادة اهتمام الاخير بتوفير الأمن الاجتماعي أي انسنة القطاع الخاص واحتراف القطاع الانساني. دور اضافي في مقابل تراجع دور الدولة الرعائي، بالاتجاه اكثر واكثر نحو الخصخصة. دور اضافي في تعزيز دور بنى المجتمع المدني. أثمر الامر بملاحظة ان القيميين على معهد “بيبلوس” ، باشروا بتقديم منح للأسرى المحررين من السجون الاسرائيلية. باشروا بتقديم منح اخرى الى حالات اجتماعية اخرى.

د -التعاون مع القيمين على معهد “بيلوس المهني” من أجل تطوير مستوى دورات التدريب المهني وتنمية الموارد البشرية في مراكز ” عامل” الموجودة في باقي المناطق الشعبية. زائد التنسيق في الاشراف على مشروع مدرسة التمريض والمعهد المهني. مدرسة ومعهد خاصان بالمؤسسة في مبناها “عامل” بمنطقة المصيطبة – بيروت. هذا هو اتجاهها العام بخططها الاستراتيجية الرامية الى تحويل “عامل” من مؤسسة خدمات الى مؤسسة “تنمية القدرات البشرية” وبناء المواطن – الانسان، ومقاومة عملية التمييز السائدة بين اللبنانيين التي تختزل المواطن الى فرد متوتر

– بالتميز او متوتر بالحرمان- ضد المواطن الآخر. استقطاب يجعل مؤسسات كـ “عامل”، وبالرغم من التبدلات واشكال العفوية والارتجال في اداراتها أحياناً، يجعلها قادرة – اذا ما توفر لها الاطار التنظيمي الديمقراطي والمساندة المالية والفنية – على اشراك الناس اكثر وعلى بلورة مشاريع التنمية والصحة والتعليم والسكن والبيئة والغذاء بمشاركة الشباب والنساء والفئات المهمشة.

هي حقبات لا تنسى. حيث ان تورط الافراد فيها هو تعمد بنار مخضبة بموت كثيف وبحياة اكثف. عدوان نيسان 1996، حرب بشاعات خالدة. شد الناس فيها ايديهم على بعضها وماتوا. لن يدلق الراوي ذاكرته المختزنة صور الحروب التي عرفها ولا انطباعاته حول غيبوبة الكثيرين تجاهها. لن يدلق الراوي انذهاله ولا دهشة من ممارسات جمعيات وجماعات وهيئات وفئات وافراد. لأن حياة الآخرين، ليست حياة بخسة لديه. ولأن الذكريات ليست نثار طبشور قديم تحت لوح طلاب صغار. لن يدلق الراوي ذاكرة حروب ، حيث ان حروب لبنان هي غيرها بعد ان استشهد 109 مدني اعزل في موقع لقوات الامم المتحدة في بلدة قانا الجنوبية ( مجزرة قانا) . عندها: قامت “عامل” بمحاولة انتقال من ذهنية رد الفعل السائدة الى ذهنية الفعل والتخطيط. وعدم الاكتفاء بروح النخوة والعفوية لدى الناس في الاوقات الصعبة. بخطة اعتمدت، من قبل مؤسسات القطاع العام والهيئات الاهلية والقطاع الخاص، حددت من خلالها الامكانيات المتاحة في المجال هذا على المستوى الصحي والاجتماعي.

انجزت “عامل” خطة طوارىء قدمها رئيسها خلال زيارة عمل الى فرنسا الى د. برنارد كوشنير ( وكان حينها وزيراً للصحة) بمنزله في باريس. ناقشا ” مشروع ادارة الكوارث”. اهتم كوشنير بمشروع د. مهنا. سارع الى اجراء اتصالات عند منتصف الليلة ذاتها. تحدث الى مستشاره في وزارة الصحة د. جاك بونو. صباحاً: شارك الطبيب اللبناني في اجتماعات عقدت في وزارتي الصحة والخارجية في خلية الطوارىء برئاسة السيد برنارد ساكس قبل ان يلتقي في قصر “ماتينيون” ( حيث توجد رئاسة الحكومة) المستشار الدولي لرئيس الحكومة في حينه سيرج تل (Serge Tell) . تمت الموافقة على تمويل المشروع، على ان يحصل التوقيع على الاتفاقية خلال زيارة مندوب لوزارة الخارجية الفرنسية، المسؤول الطبي د. جاك أمبلار، الى بيروت. قام المسؤول الفرنسي بزيارة مدينة صور – برفقة مسؤول الشؤون الانسانية في السفارة الفرنسية انطوان سيفان – ( انتقل لاحقاً الى العراق كقائم بالاعمال في سفارة فرنسا. ثم شغل منصب نائب امين عام وزارة الخارجية للشرق الاوسط وايران في باريس. حالياً: سفير فرنسا في قطر). يوضح د. مهنا: بدأ الزائر وكأنه ” يتأستذ” علينا في كيفية تنفيذ الخطة، خلال تجواله في مراكز “عامل” والمستشفى الحكومي في المدينة. ذكرني هذا “بالذهنية الاستعمارية” التي طالما لاحظناها لدى بعض الزوار الغربيين من خلال نظرتهم الفوقية في التعامل مع تجارب عالمثاليثة.

( تجربة اللبنانيين الغنية في مجالي الطوارىء والاغاثة تؤهلهم لأن يكونوا أساتذة محنكين في المجال هذا. عندما جرى تفجير قاعدة للجنود الفرنسيين في بيروت عام 1983 وصل عناصر الدفاع المدني لمؤسسة عامل بسرعة فائقة، نقلوا الجنود الجرحى الى المستشفيات، قبل وصول رجال الاسعاف الفرنسيين). واذ لاحظت سلوكه هذا، أدركت ان المهمة انتهت. وان الاتفاقية لن توقع. هذا ما حصل بالفعل. جرى لاحقاً تحويل المبلغ المرصود (200 الف دولار) الى مشروع آخر. يعود السبب – بنظري – الى ان “عامل” مؤسسة مدنية لا تخدم مصالح سياسة الاطراف الاجانب.

وجدت “عامل” ان المرأة تعاني من تمييز في شتى الفضاءات الخاصة بها. تمييز بالقانون، تمييز بشروط العمل، تمييز بالآجر. وهي الاقر ب الى الاقصاء الدائم من مراكز القرار. ثم انها ضعيفة الحضور في النقابات المهنية. وهي غير موجودة تماماً في نقابات أخرى. وهي غائبة او شبه غائبة في الاحزاب السياسية وفي مراكز الدولة العليا. لكل هذا: اهتمت “عامل” بالمرأة. ذلك انها وجدت حقوق المرأة ليست شيئاً عابراً. وجدت انها قضية وطنية، تستأهل ان يخوض غمارها الرجال والنساء على حد سواء وبجميع المستويات. نضال الاثنين: مدخل الى تراكم، مدخل الى ثقافة أخرى، الى مفاهيم أخرى. مدخل الى عالم جديد. المرأة زهرة معنفة في حقل زهور بارد.

لن تبقى ” عامل” شاهد عيان على النظام السائد. نظام قامع لكل انثى ولكل ما هو انثوي. اقامت المؤسسة متناً مشتركاً بينها وبين المرأة بالغريزة وليس بالاصطناع او التصنع. لا انسانية مزعومة هنا،في تنفيذ برامج هدفها توعية المرأة . تلك المحتاجة الى توعية. لا انسانية مزعومة في تنفيذ برامج هدفها تحفيز النساء الجاهزات للتطور في ممالك الذكر والذكورة. الاساس: تنمية وعيهن بالحقوق السياسية والحقوق المدنية وطرق اتخاذ القرار. سلكت المؤسسة الى المرأة مباشرة. سلكت اليها ببرامج تأهيل مهني وبرامج رعاية صحية نهارية وانشطة خاصة بالمشاريع الانتاجية. هدف ذلك : اشراك النساء بالتخطيط والتنفيذ. ثم تقويم تجاربهن في التجربة العامة. سوف يؤدي ذلك الى: المساهمة والمشاركة بصنع القرار على صعيد الاسرة والبيئة المحلية. فتحت صفوف لمحو الامية ارتادتها نساء تراوحت اعمارهن بين الرابعة عشرة والاربعين سنة في مناطق تواجد المؤسسة. اقيمت برامج تطويرية. امانة سر، دورات تمريض، تزيين نسائي، كومبيوتر، لغات اجنبية، خياطة، حياكة، مشاريع انتاجية بمروحة عريضة من الاهتمامات. قوات الصدم في المجال هذا: وحدات تنموية. لاسيما في ما يتعلق بالأرملة. سجلت هذه نجاحات، بحيث موّلت نفسها بنفسها بنسبة 47 بالمئة. انشأت المؤسسة ست وحدات تنموية غير مكتملة في بعلبك والهرمل وشمسطار وعرسال وكامد اللوز وضاحية بيروت الجنوبية والعاصمة بذاتها: بوادي ابو جميل مثلاً. وبالجنوب: بصيدا وصور والبازورية والخيام.

شكل ادراج المنظور الخاص بالنوع الاجتماعي، في الاطار الشامل للنشاطات الطارئة والانمائية في لبنان وتعزيز عمليات تمكين المرأة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، شكلا ركيزتين اساسيتين هنا.

– اقرار اعلان الألفية الصارم: ترابط العلاقة بين الحاكمية الجيدة والتنمية المستدامة ومكافحة الفقر.

– الرؤية الاستراتيجية التي نص عليها التقرير العربي حول التنمية الانسانية للعام 2005، حيث اعتبرت نهضة المرأة شرطاً اساسياً، ولو غير كاف لرفع منسوب العدالة والمساواة بين النساء والرجال العرب.

– الاقرار بأهمية مشاركة المرأة وتمثيلها. ذلك انه يمنع ويتفادى الخلافات بحفظ السلام ويبنيه ويدفع الى الاستجابة الانسانية واعادة الاعمار والتأهل في فترة ما بعد الحرب. وازالة العوائق امام مشاركة المرأة بشكل كامل في مستويات العمل الاجتماعي باعتماد الاجراءات التصحيحية بإعادة توزيع الادوار. ادوار قد تتضارب والعمليات المنتجة ديناميات تولد التمييز على صعيد النوع الاجتماعي.

تم احراز تقدم ملحوظ بما يتعلق بالتحصيل العلمي الخاص بالمرأة. أزيلت معظم العوائق القانونية امام مشاركتها بالحياة الاقتصادية. بيد انه – على الرغم من ذلك- لا تزال مشاركة المرأة اللبنانية بالقوة العاملة قليلة. سبب ذلك: عوامل مختلفة مترابطة في ما بينها. ومنها: توزيع الادوار الانتاجية والانجابية والحقوق والمسؤوليات بين الرجل والمرأة بشكل غير متوازن. ثم التمييز العنصري على صعيد النوع الاجتماعي في سوق العمل. ثم المقولبات الخاصة بالنوع الاجتماعي في التعليم. تلك المؤثرة في خيارات المرأة المهنية. ثم هشاشة النشاطات الاقتصادية الخاصة بالمرأة.

تعطي المرأة كما يجب. كما يجب: عليها ان تعطي ذاتها. اذا اعطت: تشتعل. واذا اشتعلت: تنفست كصاعقة. واذا فعلت: لن تقصد منحدراً بعد. هكذا يراها د. كامل مهنا، هكذا يراها رئيس المؤسسة بلا اوهام. لأن ثمة ما يدور في رأسه دائماً: اعادة تشكيل العالم عبر منظور فردي يتمتع بروح جماعية مضمونة. انه دائماً: على اهبة اجتياح الاحساس المشترك. انه دائماً: ضد الهشاشة. لذا: تقترح المؤسسة معايير جديدة، لكي تصعد المرأة من درجة الصفر او الدرجات الدنيا، الى الدرجات المستحقة. أولى المعايير، تقصير المسافة بين المرأة والخدمات الرسمية والقروض الصغرى وانشطة التمويل الاصغر. ثانيها؛ تحفيز المرأة بالخدمات غير المالية. تلك، التي تساعدها في اطلاق الانشطة الاقتصادية وتطويرها. لن يحدث ذلك الا بتزويدها بفرص. فرص تدريب، وفرص تعليم، فرص ارشاد واشراف. والمساهمة بتمليكها الخبرات التقنية الخاصة اللازمة. ضروري: ان تلبى بخدمات الدعم الاساسية المخففة عبء الولادة. كدور الحضانة وصفوف الروضة وتعزيز النقل العام. لكي يلبي ناسه المحتاجين. ان تشجع. ان تدعم الانشطة الاقتصادية التقليدية الخاصة بها. ان تدفع؛ لكي تصل الى تدريبها المهني. تزويدها بفرص تسمح بتنمية وعيها بما يتعلق بحقوقها وقدراتها وبناء ثقتها بنفسها. سوف يساهم هذا في تغيير خياراتها المهنية المقولبة – او المنمطة – المرتبطة اساساً بـ “النوع الاجتماعي” . سوف يدفع الامر الى قيام مبادرات هدفها تعديل قانون العمل بما يخص اجازة الأمومة كمثال.

بيت المرأة بيت مفتوح. غير انه صعب المنال. لأن النار تشيده. ولأن النار تصونه بآن. هكذا: ان الدلالة الشرعية لحضور المرأة في المجتع تقيم اعتبارها على تعزيز مفهوم الشبكات بين المشاريع الصغيرة الخاصة بالمرأة وبين المنظمات غير الحكومية والتعاونيات النسائية. واشراك المرأة في عمليات التخطيط الخاصة بالتنمية. لكي تضحي شريكاً فاعلاً بعمليات صنع القرار. الابرز: دعم المبادرات الخاصة بـ ” جندرة الموازنة” . اننا امام اقتراح يفضي الى تحصين حضور المرأة بوصولها الى الخدمات الصحية والاجتماعية العامة المتوفرة. والحد من العنف الممارس عليها بتقديم خدمات خطوط ساخنة واستشارات قانونية و بيوت استقبال مؤقتة، لهؤلاء المتعرضات الى العنف المنزلي.

لن تلد الأمهات اولاداً بتجاعيد عميقة ولا بشوارب ذابلة ورمادية. تلد الامهات اطفالاً بأيد قصيرة وجفون ناشطة. الولادة ممر بين الأم والأبن. ثمة أمر آخر اشبه بزناد السلاح. انه ممر الاهتمام بالطفل، بالاطفال. ثمة غرف خانقة في الممرات، ثمة غرف مضيئة بهواء نظيف في الممرات. يتنفس الاطفال بنقاء منقطع النظير. او يتنفسون مصعوقين في غرف الامهات الخانقة، واحدة واحدة. تنقاد الامهات الى اطفالهن بغرائز الجياد. ينقاد الآخرون، الاقرباء وغير الاقرباء، بكومة من الانطباعات والرغبات بمصابيح تهتز بسوط الريح.واحد من هؤلاء: د.كامل مهنا. لم يتردد وهو يسبر في الشوارع المظلمة والمقفرة. لم يتردد وهو يسير في طريقه الى مستقبله. لم يصل الى المستقبل هذا دفعة واحدة. اخذه على دفعات . كل دفعة رشق. وكل رشق بذكريات. لم يمتط عربة. ذهب الى ذاته على قدميه. بقي مستنفراً وسط الحروب والازمات والهزات. بقي مستنفراً في حياته الشخصية والاجتماعية وحياته المهنية، لانه لم يفصل بين الحيوات هذه. سادت في حياته روائح حلوة، سادت في حياته روائح مزعجة. روائح حلوة وروائح طيبة وروائح منفرة ومزعجة، شكلت رائحة عريضة غريبة، وقف عليها الكثيرون، طلعت عليها اشياء كثيرة. صار الرجل في الثمانين وهو لا يزال في الثلاثين. نط بحلمه فوق السنوات. نط شغله فوق السنوات في بلاد تشكك بكل شيء حتى بذاتها. فوق بلاد مشكوك بسمعتها. نط من سنة الى سنة، كما ينط من جو الى آخر. بيد انه لم ينط من عنوان الى عنوان. لأن العناوين عنوان واحد لديه. لم يخف اسراراً هنا. ولن يخفي. حاول الطبيب الهادىء ان يجنب الآخرين المنغصات. ادرك انه ان جنب لن يتجنب. قنع بحياة اشبه بالمقصورات الصغيرة، مقصورة على مقصورة، مقصورة فوق مقصورة. قنع بحياة اشبه بالتراب، حبة تحت حبة تحت حبة تحت حبة. لن ينتظر ان يطلب الآخرون المساعدة منه على ضوء الشموع باسطر قليلة او كثيرة. بكلمات قليلة او كثيرة. الصمت لغة عنده: ان الصامت هو اكثر المتكلمين بلاغة. لذا جاء اليهم بالساعات المتأخرة او في ساعات الصباح الاولى. ولكي لا يبقى في سياسة العلاجات الباردة والانقاذ البارد اختط استراتيجية واضحة، وضوحه هو نفسه. لم يتحول الى كحولي وهو يشاهد مئات القتلى والآف الجرحى والمعوقين. لم يتحول الى كحولي وهو يراقب سقوط المناطق والمنطق. لم يضح مسلولاً وهو في قلب العواصف الثلجية اللبنانية. عبر فوق قناعة ان لا جريمة ادبية. الجريمة عنده: جريمة واقعية. قادت الحرب الاهلية الكثيرين الى حيواتهم الفاجرة. قادته الحرب الأهلية اللبنانية الى الصبر والبوهيمية. نازل الغرائب بهواية الانقاذ. نازل الغرائب باحترافه الانقاذ. بقي قلقاً قليلاً كسيد طيب ونبيل ونقي. لا تزال صفاته الثلاث يافطته الاثيرة. لا تزال صفاته الثلاث تفي الآخرين حقوقهم. عالج الافظاظ، كما عالج الآنسات الرقيقات والشبان الطائشين والاطفال اصحاب الحضور الخاص والاساليب الخاصة بلا تأنق المتأنقين. ولأن الشيء الوحيد المشترك بين النساء هو الانجاب. وطالما ان مؤسسة “عامل” ارادت ان تدفع بهن الى الطوابق الفاخرة، أخذت المؤسسة الاطفال في اهتماماتها، حتى لا يعيش احد على الاقتراض. لا أمرأة تقترض. ولا طفل يدفع الى الشحادة.

تبنت المؤسسة حقوق الطفل، كما جاءت في مواثيق المنظمات الدولية. المنظمات التابعة للأمم المتحدة بخاصة: الهيئات الانسانية العالمية بخاصة. اعتبرت المؤسسة، اعتبر العاملون بالمؤسسة ان الاطفال اصحاب حقوق اساسية. حقوق يتمتعون بها. وان لا، سوف يتمتعون بها. ولو اضطر الأمر الى المصارعة والصراع بلا اسلحة حربية بطبيعة الحال. افترض هذا: نهجاً. أن يراقب الطفل اولاً: ان تؤمن لقاحاته. أن ترعى الأم الحامل قبل الولادة، أن ترعى أثناء الولادة. لن ينقصه بعد: لا غذاء ولا تعليم ولا رعاية صحية او رعاية اجتماعية او رعاية نفسية. لن تنقصه البيئة الصالحة ولا الاعداد الصالح. يساهم الشرطان الأخيران في بناء الطفل بشروط لازمة، لكي يصبح “المواطن”. يتمتع الاخير بكفاءات ومؤهلات، ان تم تدخل الآخرين المبكر في سبيل تأمين ما هو حق له.

بادرت المؤسسة الى اعتماد برامج تساعد الاطفال بين السنتين ونصف السنة والاربع سنوات. مساهمة تتيح لهم التكيف بمرحلة ما قبل الذهاب الى المدرسة. وفرت لهم محيطهم التربوي الصحي بدور حضانة متخصصة. وفرت لهم وسائل تربيتهم وترفيههم بآن. شجع ذلك الامهات على تركهن، ما دامت حياتهم مؤمنة عبر مؤسسات وكفاءات مختصة. عزز التأمين فرص ان يعملن بعيداً من ضغوط الاهتمام بحاجات الاولاد. التحقن بالمؤسسات اكثر واكثر. لحقت المؤسسة بكل شيء. وجدت في المدارس باعتمادها برامج صحية مدرسية قامت على تعاون وثيق مثلث بين المدرسة ولجان الاهل والمستوصف او المركز الصحي والعيادة الخاصة بالنطاق الجغرافي للمدرسة. وعّت المؤسسة الاهل. وعتهم باساليب التربية السليمة وتقنيات التنمية بالمراحل السابقة على التحاق الاطفال بالمدارس. أقامت مراكز رعاية نهارية: رياض اطفال السنتين والثلاث والاربع والخمس سنوات بغياب الروضات الرسمية. اعطيت الاولوية الى اطفال النساء العاملات. غطت اقساط هؤلاء 61% من الموازنة الخاصة بالمشروع هذا. ثم أمنت “عامل” منح دراسة ثلاثين فتاة، تخصصن في ” مدام فلانغا” (رياض المدرسة العلمانية الفرنسية – الليسيه الفرنسية). ابرز المؤسسات في تأهيل حادقات الاطفال. عملت بعض الحادقات المتخرجات في روضات المؤسسة: روضة الهرمل، روضة بعلبك، روضة الشياح، روضة مدرسة حوض الولاية باشراف اخصائية: ديما حيدر.

ان تسعة اشهر من الحمل وسنتين من الرضاعة ،بما تختزنه وترسمه من علاقات تلاصقية بين الجنين المولود وامه بحاجة الى قراءة حساسة وشفافة، الى متابعة حساسة وشفافة. حيث ان مؤشرات التنمية البشرية، بقيت معقودة على الدخل والمستوى التعليمي والصحة. لن يسقط الاطفال –تحت الوعي الجديد – ضحايا تواطؤ الحمقى او ضحايا عبقريات العالم السفلي. انبنى وعي جديد ( المسؤوليات والاعداد بآن: 6.6 % من الاطفال يشتغلون برات البيت بأجر قليل او بشبه أجر. تسرب 45% من الاطفال ، قبل أواخر الحلقة الدراسية الثالثة بالتعليم الاساسي بلا انخراط في التعليم المهني. لوحظ: وجود فروقات بارزة بين المناطق. ذلك ان بيروت وجبل لبنان يحظيان بالافضل، بالمقارنة بباقي المحافظات اللبنانية. لوحظ : ان نسبة 50 % من اللبنانيين غير مشمولين بالتأمينات الصحية ( باستثناء ما تقدمه وزارة الصحة في لبنان). الارقام مفاجئة في أحيان، الارقام مهولة في احيان، بالمؤشرات الصحية الوطنية في لبنان: بلغ معدل وفيات الاطفال الرضع بين العامين 1986 – 1995 نسبة 33.5 بالألف . لعب تعلم الأم دوراً بارزاً في توزيع الوفيات. أم متعلمة: هذا معناه نقصان نسبة وفيات الاطفال. أم امية: هذا معناه زيادة نسبة الوفيات.

العلاقة بين مستوى التعلم عند الامهات ومعدل الوفيات عند الاطفال

( لكل الف مولود حي) خلال السنوات العشر السابقة على المسح

(1986-1995)

مستوى تعليم الام معد وفيات الرضع

( دون السنة) معدل وفيات حديثي الولادة

(دون 28 يوماً)

أمية 54.5 38.2

تقرأ وتكتب 51.1 33.3

انهت الابتدائي 29.6 23.4

متوسط 30.5 23.6

ثانوي وما فوق 14.8 12.8

المعدل الوطني 33.5 24.9

المصدر : المسح اللبناني لصحة الطفل والأم (1996)

احاطة جوهرية، ثورية الى حد كبير. وبالاخص: اذا ما قورنت بمستويات الاهتمام بالاطفال بين القرنين التاسع عشر والعشرين. لأنه من الخطأ الخالص تخيل الناس: ان عاطفة الأمومة شأن انساني تلقائي وابدي. ذلك انه حتى نهاية القرن التاسع عشر، وضعت اغلبية نساء البرجوازيات في الغرب مواليدهن لدى المرضعات. لم ينشغلن بهم ابداً. ليس هذا شاناً طبقياً. حيث ان الفلاحات بدورهن، لم يبدين انشغالاً ملحوظاً بمواليدهن. لفوا مواليدهن باقمشة ضيقة جداً. علقوهن على الحيطان، علقوهن على مسافة غير بعيدة عن المدافىء، لكي لا يصيبهم البرد. ارتفعت نسبة الوفيات بتلك المرحلة. واحد يحيا وواحد يموت. واحد من اثنين. استسلم الاهل أمام اقدارهن وهن ينتظرن ان يبلغ اولادهن سن المراهقة. عند بداية القرن العشرين: ادركت الحكومات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية اهمية غريزة الأم. أدركت الحكومات ذلك، حين لاحظت تناقص عدد السكان، نتيجة ارتفاع نسبة الوفيات لدى الاطفال . قادتها استنتاجاتها الى الخطر الداهم بذلك. اقامت حملات اعلامية كثيفة. عممت ارشادات الوقاية. شيئاً فشيئاً: تقدم طب الاطفال. شيئاً فشيئاً : قامت سوق اقتصادية جديدة على الوعي الاجتماعي الجديد. لم تعد النساء يخفن على اولادهن من موتهم المبكر. اذاك : اضحت الام رمزاً للمسؤولية. اضحت الأم رمزاً في الحياة والادب واللوحة على حد سواء. اخطر المفاصل التسرب المدرسي في سن المراهقة. استعملت المؤسسات مجساتها في وظائفها القصوى لكي تداري اسباب التسرب ووقائعه ونتائجها على الارض. عامل مؤسسة قلقة هنا. اقلقها ما لم تستطع انتظاره حتى النهاية. لا شيء يفلت من مراقبتها. لا فروقات املائية بينها وبين المؤسسات الأخرى. لا فروقات وراثة. بل فروقات فهم ووعي وتدرب. استعملت ما بين يديها من علوم، استعملت حاصل ضرب الخبرة بالتقدم العلمي. لم ينحصر عملها في منطقة. اخذت على عاتقها انقاذ كل من تستطيع انقاذه. راقبت وتحكمت. غير انها لم تبع خدماتها. بالاخص: خدمة الحماية المستمرة. قرأت في مزامير الشباب على الواحها الناصعة: ان عدم الثقة بتوفر فرص عمل والهجرة الى خارج البلد بحثاً عن حياة كريمة ومستوى معيشي لائق ، هما اهم مشاكل الشباب. سوف يؤدي تعميم ذلك الى التسرب المدرسي. عممت: ان دواء ذلك بتعليم اولاد الاسر المحدودة الدخل وخصوصا”: التعليم المهني. ان دواء ذلك بانخراطهم بالحياة العامة عبر الاهتمام بحاجاتهم النفسية والمعنوية. وتحديداً: اثر نهاية الحرب الاهلية بلبنان. أولت الشباب باهتمامها، لأنهم يمثلون الطاقة البشرية الاساسية في تحقيق تنمية بشرية مستدامة. يؤكد د.مهنا ان عشرين بالمئة من سكان لبنان باعمار بين 15 و 25 سنة. مجتمع فتي. يذكر ان 49% هم دون الـ 25 سنة. لديهم ادوارهم البالغة الاهمية: من المشاركة باصلاح النظام السياسي الطائفي الى المشاركة في دفع الحياة العامة الى الامام. بداية ذلك في اقتراح: ان يسمح للشباب بالانتخاب وهم في الثامنة عشرة. مهمة السياسة رفعتها “عامل” كصداقة ناعمة بمهارة وسط كيل من العوائق. وخصوصاً: القفز فوق الاوهام الطائفية والمذهبية والثقافية.

اختراق الحدود الخفية بين المؤسسة والشباب: رحلة الاف الاميال. بدأت الرحلة ولم تنته. لم تنهها المؤسسة ولا الشباب. لأنهم ما ارادوا ان يبدوا احباء يفلتون بين اصابع بعضهم كالاشباح. لا أشباح في هذه الحلقة اللامفرغة. انه عناد الوعي الناضج الصامت والبائح بكل ما يهم الحياة بالحياة. علاقة متأججة استعملت لأجلها ادنى الامكانيات واقصاها. استعمل لأجلها الطرح والتحدي والاغراء بعبق ملح ماء بحري. لن يسقط من الحسابات احد. لن يسقط اصحاب الحاجات الخاصة. لن يسقط المعوقون ولا الجمعيات الراعية لهم. لحظ حضورهم ببناء مراكز علاج فيزيائي في صور والخيام. لحظ حضورهم ببناء مراكز تأهيل مهني ومشاغل حفر على الخشب باشراف الراهب الفرنسي جيل فيلتمان وبتوجيه من الراهبة المدنية اديل منزي. ليس هذا جهد نهار. ولا تفكير يوم واحد. ولا سلسلة لمحات متتاليات. بالعكس. انه وقع اصوات اللغة الجديدة. اهتداء بلا طلب. لن يرتاح احد في بناء فاخر. اتخيل ان الراحة في بناء فاخر سيوقع القاطنين به بالنعاس لم ينعس الطبيب المجرب منذ خمسين عاماً. لم يصرخ مذعوراً. ولن يسمح لأحد ان يملص من شروطه ونشاطه. لم يخط برجليه بالهواء وهو يقود سفينته بقواه الذاتية وقوى شركائه. حق المعوق ان يحيا حياة كريمة. حياة بمستقبل. لا للغرف الحقيرة. لا للغرف النتنة. لا للخوف. لا للحاجة. لا للغثيان. لا للتعرية. لا للعراء. لا تناقص ضوء بعد في فجوات التهوئة القليلة. لا للحزن. ولا للدونية. ” المعوق انسان كامل الحقوق بالمجتمع. قبل ذلك: ضرورة اعتماد برامج وقائية تحد من اصابات الاعاقة”.

تقديرات اعداد المعوقين كثيرة. آخرها من وزارة الشؤون الاجتماعية بالعام 1999. بلغ عددهم 23693. انهم موزعون في جميع المناطق اللبنانية. بلغ عدد حاملي البطاقة الخاصة بأكثر من نوع من انواع الاعاقة: 2132 : اي ان نسبتهم هي 9% معوق بين الاناث والذكور. 36% من الاناث .61% من الذكور. يعنى بهؤلاء 221 جمعية، بحسب دليل خدمات وزعته الوزارة نفسها. اعداد كبيرة في مجتمعات صغيرة. الابرز: تم القفز فوق مراحل الاضطرابات الخاصة بالتعامل مع المعوقين. لا تناقضات كثيرة هنا. بل تبدلات. ثم ان المؤسسات العاملة في المجال هذا، لم تقع في ما تقع الاخويات المغلقة به. لا اخويات مغلقة. ولا جمعيات غيورة، تطالب بالولاء والعمولة مقابل الحماية والتواصل واستمرار العمل. لا وعد باعادة الاجزاء المعطوبة الى سابق عهدها. لا وعد الا باستمرار المبادىء الجديدة. وهي مبادىء تشريعات هدفها النهوض بالمعوق وتلزيمه حقوقه. أقرت تلك بقانون صدر بالجريدة الرسمية بتاريخ 29/5/2000. انها الافضل بالعالم الغربي، بحسب د.كامل مهنا. انها الاكثر طموحاً، بحسب د. كامل مهنا. ثروة في بلاد خزائن المصالح والمحسوبيات وتقاسم الارباح واعادة انتاج كل ما هو رجعي، لكي لا نقول كل ما هو سيء:

1- الاعتراف بمواطنية الانسان المعوق في لبنان.

2- يقر القانون هذا بان مشكلة الاعاقة لا تكمن في الوضع الجسدي او العقلي للأنسان المعوق، ولكن بتقصير المجتمع بالقيام بواجبه من حيث توفير البنى والبرامج الحكومية الملائمة لخصوصية الانسان المعوق.

3- يعترف القانون، بأن تمثيل الانسان المعوق محصور بالأشخاص المعوقين انفسهم وبالجمعيات الممثلة لهم دون غيرها.

4- يلزم القانون، معظم الوزارات بوضع آلية لتفيذ بنوده، على ان تلعب “وزارة الشؤون الاجتماعية” والهيئة الوطنية لشؤون المعوقين التي تضم ممثلين عن القطاع الاهلي، دور المحرك للوزارات الأخرى ولإدارات الدولة لتنفيذ القانون.

5- يضمن القانون ، حقوق الانسان المعوق في الصحة والتعليم والعمل والنقل والسكن والترفيه والتأهيل، الى جانب حقه في الحصول على التعويضات والتخفيضات الجمركية في ما يخص حاجاته الاساسية من معينات ووسائل نقل وغيرها.

6- يضمن القانون التزام الدولة بتوفير تسهيلات للجمعيات المعنية بقضية الاعاقة بتقديم حسومات على فاتورة الكهرباء والاتصالات.

7- يفرض القانون على البلديات والادارات ضرورة ادخال موضوع الاعاقة في برامجها ونشاطاتها.

8- يكفل القانون حق الانسان المعوق في المشاركة بالعملية الانتخابية، عن طريق تأهيل مراكز الاقتراع لضمان وصول الانسان المعوق اليه.

غير انه وبعد مرور ثماني سنوات على صدور القانون في الجريدة الرسمية، لم تصدر المراسيم التطبيقية حتى الآن. وعد وزير الشؤون الاجتماعية بتشكيل لجنة متابعة متعلقة بهذا. بيد ان اتحاد الصناعيين اللبنانيين واتحاد المصارف، ابديا اهتماماً بتطبيق بنود القانون نظراً الى ان ادارة الضمان الاجتماعي تشترط توظيف المعوقين في مختلف القطاعات الخاصة والعامة وترفض تسليم اوراق براءة ذمة من الضمان الا في حال توفر الشروط هذه.

ثم ان ادارة الجمارك اعفت سيارة الانسان المعوق من الرسوم الجمركية. كما ان الجمعيات التي تعنى بالمعوقين استفادت من التخفيضات التي لحظها لها القانون في رسوم الكهرباء والضمان والهاتف.

الاحترام، الاحترام، الاحترام. هذا ما دأبت عليه المؤسسة بكادرها.

هذه ثروتها العظيمة. هذه رسالتها القصيرة والمطولة ومتوسطة الطول. هذه رسالتها الى ابنائها واقربائها ولغتها وأرضها. لا حيرة هنا. ولا حفلات تبذير. لا حفلات تبذير فاخرة في مسلك اجتماعي غريب. كل ما لديها، بل ما تبقى لديها هدفه: ان يصل قطارها بركابه الى غرفهم. لا اختباء ولا طيران. معادلة دقيقة، معادلة مكلفة. معادلة زمن الحرب وأوقات السلم. سوف ترسم المؤسسة الخطط المثمرة بالغاء ولائم العام الجديد والاعوام المقبلة. انجازها طعامها، ثيابها الجديدة، خزانتها، اقامتها بالوضع السياسي غير المستقر وبالوضع الامني الاقل استقراراً. انها حية بذلك، انها حية بذلك. الصيت صيت. ولكن لا معروف. ليس هذا غريباً، لأن الناس لن يعودوا لا مرئيين. لن يولدوا لكي يولدوا. لن يعيشوا حتى يموتوا على هامش الاحداث، على هامش الحياة. لن تقبل المؤسسة باخبار الوفاة المعطوفة على مديح الميت. لن تشارك المؤسسة الطبية بمراسيم العزاء قبل ان يضع الشاهدة على قبر الفقيد. انصب اهتمامها على الصحة. الصحة سلوك، الصحة طريق، الصحة مجال، الصحة برنامج، الصحة برامج. برنامج اول يحصن الناس ضد الامراض المعدية، برنامج صحة مدرسية، برامج محاربة اسهال ورضاعة من الثدي. انجز برنامج طليعي خاص برعاية الأم والطفل بالتعاون مع جمعية اطباء بلا حدود البلجيكية خلال اعوام الحرب. استكمل بالتعاون مع جمعية Santé Sud بين العام 1991 والعام 1994 : تواصلت عمليات تدريب الممرضات والمساعدات. استمر التواصل بالمجتمع الاهلي بالتعاون مع الامهات وباشراف اطباء عامل. استكمل البرنامج بمساعدة جمعية انكليزية. سمي: برنامج العائلة التنموي. اشرفت عليه من الجمعية الانكليزية ساندرا كير. اشرفت عليه من جمعية “عامل” : سعاد شواف مسؤولة البرامج التنموية. اعتبر البرنامج نموذجياً. هكذا وجده متدربو الاتحاد الاوروبي. اثرها: اعتمد بالاردن. وهو شمل : 32 مرشدة صحية، عملن ناشطات في المجتمع المحلي. عطفت على 304 ندوات بحضور 6566 سيدة في عشرة مراكز من مراكز “عامل”. عطفت على 3122 زيارة منزلية بمشاركة 15757 اسرة. عطفت على تقيم خدمات صحية انجابية الى 7319 حالة. وتنظيم ندوات تثقيفية في 100 مدرسة خصصت باربعة الآف وثمانماية وواحد وعشرين تلميذ وتلميذة. عطفت على اقامة 152 دورة تأهيل مهني وبناء قدرات بشرية لألفين وستماية مستفيد ومستفيدة. معطوفة على تصميم وانجاز 37 دورة محو امية خاصة بالكبار. غير ان الحظ لم يسمح بتحقيق الطموحات بالمشاريع . ذلك انه: اقفلت ثلاثة مستوصفات عام 1992 في جنوب لبنان (الشعيتية – يانوح – سلعا ) بسبب التناقص المستمر باعداد المستفدين من خدماتها وتناقص الاموال. ارتفع هنا صوت استراتيجية الاكتفاء الذاتي. قررت هيئة ادارة “عامل” بضوء تقويم لجنة الخبراء والخطة الاستراتيجية – عقد اتفاق مع الاطباء. توقف الاخيرون – بموجبه- عن تقاضي مخصصات شهرية مقابل الخدمات الصحية التي يقدمونها. عوضوا عن ذلك باقتطاع نسبة من عائدات المعاينات ( حوالي 70%) . ساعد ذلك على تخفيض الالتزامات المالية للمؤسسة. حيث لم تعد ملزمة الا بتغطية اجور العاملين المتفرغين ودفع الايجارات ومصاريف البرامج التنموية. غيض من فيض. ذلك ان المؤسسة فردت قراءاتها على كل شيء. لم تستخدم المطهرات ولم تقع في الرومانسية. خمّرت التجربة الرؤية. كما يخمّر الهواء الاجبان اللذيذة. لن تقبل بعد : ان تتدهور صحة الناس بالمجان طالما انكشفت الاسباب اولاً بأول. غياب الانصاف، الكلفة المرتفعة للخدمات الصحية حتى للنوعيات المتدنية. غياب التخطيط وعدم الاعتماد على التكنولوجيا الصحية الحديثة المكلفة. لا انتشار بعد لـ : الشلل والحصبة والشاهوق والخانوق والكزاز. الصحة المدرسية باشراف الطب المدرسي. ثنائية هامة. تم توسيع شبكة الرعاية الصحية الاولية. أضحت بحدود المئة وخمسين مركزاً بمختلف المناطق اللبنانية. المطلوب – من ثم – تخفيض فاتورة الاستشفاء بالتزام التسعيرة المقطوعة ( Flat rate) بالتدخلات الجراحية، كما اقرتها وزارة الصحة . زائد ايجاد بدائل عن الاستشفاء كـ: (one Day clinic) .وسيلة وتقنية اعتمدت في اميركا والدول الاوروبية. اضحت هذه سياسة بما ادى الى خفض الكلفة حوالي 3% في حوالي 5% من الخدمات الاستشفائية . زائد استعمال التشخيص المحدد لحالات الاستشفاء باعتماد DIAGNOSIS RETATED GROUPS بسقف مالي محدد. زائد الحد من اشغال الاسرة، الا بالحالات القصوى. زائد: اعتماد الرعاية الصحية المنزلية. كما في فرنسا. خفض ذلك فاتورة الاستشفاء بنسب كبيرة. زائد: اعتماد طبيب العائلة كوسيط بين المريض والطبيب المختص والمستشفى. زائد: اقرار التأمين الصحي الالزامي. كما في الولايات المتحدة الاميركية. سوف يؤدي ذلك: الى نظام صحي يعالج الكثير من المشاكل والمطبات والمعوقات. وسوف يدفع شركات التأمين الى التنافس فيما بينها، بتقديم أفضل الخدمات وأقل الاسعار. زائد: وضع نظام وطني للاستشفاء وبركائز : وحدة صناديق الاستشفاء، دعم وتفعيل القطاع الاستشفائي العام، تفعيل المؤسسة العام، لكي تضحي قادرة على ادارة المستشفيات الحكومية بالمحافظات. وضع خطة ببرنامج واضح هدفه تعمييم التأمينات الصحية باقرار المشاركة في كلفة الخدمات الصحية من قبل المواطنين. انه ود مجرب. ود تقني. خبب على وقائع مشهودة. شراء أراض بدفع أموال قليلة. لا براءة بعد اليوم. لا طمع . لا بريق طمع. ولا افكار مدججة بالربح على حساب الصحة العامة. انها خلاصة الخبب بالاراضي الخاصة، بالمجالات الخاصة، بالفضاءات الخاصة. خبب بلا اسطرة. خبب بمنكبين عريضين. خبب نبيل، راسخ، انيق، فخم، لو تحقق. خبب يضع الناس بأمان. سيجعلهم اقل بؤسا، سيجعلهم اكثر سعادة ويوفر لهم الحماية. لا مستقبل من قطن مندوف. ولا سكر يطفو به المواطنون متعانقين كالعقد الى الابد. النتيجة: انتفاعات عامة للعموم. اكثر: للموجودين في الدرك الاخير بالفاقة. خطة تقوم على دفوعات بسيطة ودقيقة باقساط شهرية، ساند الناس بعضهم من خلالها. وهكذا: حين لا يوجد من لا يستطيع ان يسدد، تسدد البقية عنه. مثال أولي. تبعه ثان وثالث ورابع وخامس والى ما نهاية. خروج على مفهوم البر والاحسان الى مفهوم الشراكة المنتجة الحامية. لن يموت احد بعد على الطرف الآخر بصمت. سوف يسمع صوته في اصوات الآخرين. لكل شيء حد. هذا صحيح. الا ان الحد هذا هو حد الحد من الخسائر البشرية والاهانات والارتهانات او التكوم في افران العذاب بانتظار النجدات المستحيلة. صورة من صور طيبة في تدرجها. اروع الصور هذه ، حين تنبثق في صالح الناس. صورة ذاتية معطوفة على صور عامة. عندها: سوف تزدهي البلاد بحلل جديدة وبجيوش حاشدة من خدم لا يخدمون اسيادهم بل يخدمون انفسهم بانفسهم كالاسياد.
تخلق الخطة هذه مستخدمين يستخدمون انفسهم في صالح انفسهم. سوف يمشون بلا تعثر. بلا سفالات الحياة الحديثة الراهنة. وبلا قال وقيل. دقة طالعة من تجربة. دقة تفيد تجربة. وتجربة في تجربة تفيد تجربة. وهكذا. انها حياة الرجل الطويلة. جاءت من يومياته العادية. لم تطلع من سلالة ولا من نخب ولا من ولادة منحطة. طاف الرجل في المدن، طاف الرجل في القرى، طاف في ذهنه، طاف في خياله، طاف في الواقع، حتى اضاءت تجربة حياته بوضوح وعمق كبيرين. انه صاحب صورته المطبوعة بثبات لا يتبدل. لا بلاتين في الصورة. ولا ذهب: ذلك ان الذهب والبلاتين موجودين في القلب والرغبة والعينين والطموح. ذلك ان المعدن الطيب الثمين: وجد المعدن الطيب الثمين بطبيعته، بسلوكه، بحياته. اخذته خيبات الأمل الى افساح المجال امام الآخرين، لكي لا يقعوا في ما وقع فيه. طبعت الذاكرة الأمور هذه. عندها: ضاع الرمادي بالطريق. وجد الرجل نفسه بين ابيضه واسوده. اقتحم الاسود، حاملاً الابيض اليه، على صهوة خدمة المجموع. لزم هذا قطاع اغاثة بديلاً من سحر الانفعالات والتقاليد غير المرئية المؤثرة في الحياة اليومية لأي منا. لزم هذا: توطيد علاقات المؤسسة بالمؤسسات الانسانية الدولية. لزم هذا: بناء المؤسسة على القدرة والبرنامج. لزم هذا: الاشتغال على تنمية الموارد البشرية بعد بناء نظام المؤسسة. بناء النظام، اثر استكمال تصنيف الموجود وتحديد المسؤوليات القانونية وتأسيس نظام مالي محدد ، موحد، يسير الجميع تحت سقفه او تحت قبته. لا فرق. تضحي التفاصيل غير ذات اهمية هنا. ولو ان المؤسسة وفرت ما وفرته في تسلسل زمني غير مريب. كـ : الجمعية التعاونية للتنمية الريفية ومشغل انتاج الصابون والمركز الصحي الاجتماعي التنموي بالخيام. وبرنامج ” مبادرة الحوار بين الشباب” في مرجعيون. وبرنامج التربية على حقوق الانسان والمواطنة. وبرنامج الارشاد النفسي للاسرى المحررين من سجون العدو الاسرائيلي.
لم يوقع احد في مؤسسة “عامل” اتفاقيات لترسيم العلاقات بين العاملين فيها، بلغة اليوم الدارجة. اتفق الكل بدون ان يتفقوا. شكلوا لجاناً طورت في مفاهيم التعاون والتبادل وتنسيق المواقف. اتفاق بالغ الاهمية بمدلولات كبرى اولها: لا انتساب بالدين ولا بالسياسة. انتهجت “عامل” سياسة مختلفة في الممارسة. لذا: احتلت موقعاً في الاهتمام الداخلي والاقليمي والدولي. لذا: اضحت مبادرات الانفتاح هذه روتينية . لذا: آمن الآخرون بها. لأنهم آمنوا باستقامتها. ذلك انها أضحت مرجعاً في طبيعة العلاقات المستقبلية على صعيد العمل الاجتماعي. أزالت الشكوك اولاً. اولاً: شكوك العاملين فيها. ثم شكوك الآخرين تجاهها. ازالت التوترات. ازالت الاعطاب المسيئة. قبلاً: رممت العلاقة بين بنود الاولويات بمجالها. استوجب الأمر، وضوحاً وحسماً . بحيث غطيا الفجوات العادية والفجوات المرجعية بحياة اللبنانيين. لا حكومة بيروقراطية بعامل. ولا حكومة ظل. ثمة جهاز يمارس سلطته الطيبة. التحكم بالقرارات المصيرية جوهري هنا. التحكم بالتغييرات ضروري هنا. الحسم جوهري هنا. التعامل، الشفافية، اللا ازدواجية. لأن الاخيرة تؤول الى عرقلة هندسة الاستراتجيات المصيرية في المراحل بكلها. المراحل السابقة والمرحلة الراهنة.

تسارعت التطورات في لبنان. تسارعت التطورات في عامل بالمقابل: حسمت الاولويات، وفرت المناخات مناعة، اجازت للمؤسسة تجاوز جميع عوامل تهميش الحضور، حضور المؤسسة وحضور الناس بآن. وهي قسمت في آلية مدهشة طاقة الالتحام والانطلاق، قبل ان تدمجهما ببعضهما. الاستراتيجية مطلوبة، ممكنة، صعبة. خلقت الاستراتيجية هذه – على الرغم من الصعوبات الهائلة- بواقعية الاستشعار بوحدة المصير، طالما ان الواقع، هو واقع تفكيك وفلتان النظام القائم. مهد النظام هذا – غالباً – للتفتيت. وهي كلمة كفيلة بان تقشعر الابدان. وبان تخرج اصحاب الطاقات الخلاقة من مفاهيم الاجترار القديمة في صالح علاج اسباب الشطط الصانعة لها. اسباب فاقعة. لا تعود فقط الى القرن الماضي. بل تعود الى عداوة العربي لكل ما هو مؤسساتي. عدواته: لكل مفاهيم المؤسسة وضروبها. بقي المفهوم هذا أولوية لدى د. مهنا و لدى كل العاملين بالمؤسسة، بوعي عوامل غيابها. الغيابات القديمة هي الحضورات الجديدة. تفعيل الحضور الجديد بمسح الغيابات القديمة، بفهم شروط مثولها في ازمنة واستمرارها في ازمنة أخرى.حدث ذلك تماماً. ولأنه حدث: اصبحت مسيرة الاستقامة لدى د. كامل مهنا ولدى “عامل” بجميع افرادها ، مسيرة متواصلة وبدون تقطع. هكذا: اضحت الاستراتيجيا مضمونة، بصعوبات وعراقيل جرى التعامل معها بما تستأهله. لم يستقو احد على آخر ، لأن التجربة تجربة الفرد في المؤسسة وتجربة المؤسسة بالافراد اعتمدت قواعد سلوك واضحة. ولأن من ينتسب الى “عامل” يستمر معها، تحت بند: ان لا استثناء في اي موقعة، في اي مجال، في اي تلخيص او اسهاب، في اي شخص او شخصية. ازيلت المخاوف. عندها: وقع تطابق في العلامات بين الاشخاص العاملين و المحيطين او المريدين او المساهمين او المنتسبين. رفع منسوب الصراحة. كما ركز الجميع على الايجابي. لا علاقة لحكاية الكوب النصف الملآن بذلك. لأن التجربة تجربة مضادة لـ “الابي ملحميات”. انها سياسة تفاؤل معطوفة على رسالة واضحة وسليمة.

لا يزال د. كامل مهنا يبشر بالايجابية حتى باحلك الظروف. عنده: ان الممارسة الصحيحة توفر الحماية بدون حماية الآخرين . الممارسة الصحيحة هي المصداقية. توفر الاخيرة رأسمالاً حارقاً خارقاً لكل العوائق والحواجز . المصداقية معناها: رفض للذهنية الشللية والعصبيات في صالح رعاية الظروف الشخصية للأخرين والتراحم والتواصل.

لن يعوز د. كامل مهنا، لكي يستظهر ما استمرت المؤسسة على ضوئه. وما استقطب الآخرين اليها بنظام لا علاقة له بالاتفاقات الموقعة. انها المنهجية الابرز في المنهجية هذه: بناء ثقافة الشأن العام. زائد التزام بالخيارات الوطنية والقومية والانسانية. زائد عدم الغرق في التفاصيل. منهجية متحدية. ليس أدرى من الطبيب ذي الرؤية الطائرة فوق بلدان الفقراء وعواصمها بالتحديات . ليس اجدر منه بقراءتها نقدياً ثم تلاوة خلاصات النقد: ان التحدي الاكبر أمام الهيئات الغير الحكومية – ومختلف بنى المجتمع المدني – هو كيفية انتظام عملها على أساس مفاهيم معاصرة وعلاقات تنتمي الى عصر الدولة الحديثة، وتستند الى معايير المواطنة والمشاركة الطوعية والانتظام على أساس الخيارات الفكرية والجماعية والمهنية. أي كشف التباسات العلاقة بين المجتمع التقليدي والمجتمع المدني الحديث. ذلك ان تكوينات المجتمع المدني الحديث تعبر عن مصالح جماعات وفئات قد تتنافى او تتعارض، غير ان الجامع بينها هو اعتمادها انجازية معايير لا معايير ” ارثية تقليدية” وهي – بالمبدأ- مستقلة عن السيطرة المباشرة لجهاز الدولة. بتكاثر منظمات المجتمع المدني ، يتوفر بديل وظيفي مقبول من الناس، بدل التكوينات الإرثية التقليدية ( المذهبية والطائفية والعشائرية..) سوف يؤدي ذلك الى تعمق الولاء للبديل هذا.كذلك: توثيق العلاقة بالاصدقاء. كذلك: تحويل المحايدين الى اصدقاء والسعي الى تحديد الاخصام.

ان تجربة مؤسسة عامل استطاعت – بالاضافة الى أدائها في دائرة اختصاصها – شهدت نشاطات وارهاصات داخلية على الصعيد التنظيمي لا تقل اهمية من حيث دلالاتها: شروط المرحلة الانتقالية. هكذا استطاعت المؤسسة أن تخلع رداء الطوارىء والدفاع المدني لتلبس رداء العمل التنموي . ذهنية هجومية. هجومية دوماً. ذهنية هجومية، بيد انها ليست الغائية. بذلك: تم النظر دائماً الى الامور من زوايا عديدة في وقت واحد. برؤية الاشياء في الفضاء (Dans l’espace) كما هي في الواقع، وليس على سطح متخيّل (:(Dans un plan imaginé ذلك ان ثقافة “السطح الافتراضي” أي ” المخيّلة المحدودة” هي ثقافة الاسود والابيض، أي تلك التي لا تقيس الاشياء الا ببعد واحد. غير ان الحقيقة هي غير ذلك. الحقيقة ترج عقل البني آدم وقلبه. تحفر فيه وتهدىء روعه. قفز في المغامرة،التي تخلص الحياة المنتحرة، بتفكيك الموت بمراودته وخرمشته والتنكيل به. يبتسم الموت، بحسب الشاعرة جمانة حداد، بما يقوض نهاياته القسرية ويفتح الافق. افق العالم، على ما يشكل حياة في حياة. حياة تسخر من الموت وتنتصر عليه. لن ينسى د.مهنا دفء العلاقات والمهنية العالية.لأنه ضد المقاطعة والنبذ. ولأنه الادرى بالفرق بين تلاوتين: التلاوات في المزدات العلنية. والتلاوات في تجربة ” الرب” الموسيقية

عامل ليست جمعية مدنية فقط. “عامل” مؤسسة طموح. شرف هائل، ان تمتلك مؤسسة طموحها منذ بدايتها، وحتى اللحظة الراهنة. الاهم انها لم تطرح نفسها موديلاً للآخرين. ارتفعت المؤسسة وسط ساحة الوحدة. لم تجمع ارصدة في خلال حملات. ولم ترفع مبالغ من أسر المدينة. أضحت رمزاً بخلال فترة قصيرة. اضحت كذلك في أربع جهات الارض. مؤسسة من اعراق مختلفة. انها لا تبدو كذلك. لن يذعر ممول امامها ولا امام مشاريعها. لانها لم تطلب ممولين بالأصل. بشرها بشر يتعاطون مع البشر كبشر كاملين. هذا ما دفعها الى احتلال الطليعة بين المؤسسات الأخرى. هذا ما دفعها الى احتلال المكانة الخاصة بها. لم تضحي المؤسسة بصورتها هذه بالصدفة او المصادفة. واست الآخرين بدون ان يواسيها احد. لم تطلب ذلك. ولن تطلبه. غريب : أن تولد مؤسسة كاملة العظام. ليس غريباً: أن تمتلك المؤسسة كبرياء خاصة. غريب: أن لا ترفع على خواء الآخرين. ليس غريباً: أن تتأسس على شيء فريد، مزيج من الشرق والغرب، من القوة والرقة، من السحر والتبليغ، من التواضع والاختيار.

لم تضع المؤسسة وقتاً قصيراً او طويلاً الا واستغلته للقيام بما نذرت نفسها اليه. لم تنشغل بالعناية الا بالفضيلة المطلقة والنسبية في حال تعذر الوصول بالفضيلة الى المطلق. الاهم: أنها لم تضع في خيالات رومانسية ولا في واقعية متكسرة ولا في تجريد حال من الحالات. ولم تراوح بين العادي والعادية. الاهم انها مؤسسة طبيعية بأناس طبيعين. انها منظمة بغير دفاتر وردية الصفحات. وأنها منظمة ناضجة نضوج وجه ملاك غريب: ترتب على ذلك تضحيات كثيرة افضت الى نتائج كبيرة : قادت قوة رهيبة مسيرة ملحفة بقواعد التواضع والدقة. لم تعد احدا بالخيول البيضاء وبامراء يمتطون الخيول البيضاء هذه. وعدت بالتسامح أمام الاساءة. وعدت بالارتقاء امام الضعة. وعدت بالطفولة الدائمة امام خيالات وتخيلات العجائز. ولم تقع في مكائد الجمال ولا الحذر الارتجالي.

جاء تأسيسها بالتالي : ان عامل جمعية مدنية. وهي مؤسسة. ذات منفعة عامة بموجب مرسوم جمهوري رقم 5832 بتاريخ 10/8/1994 . تأسست بالعام 1979 ، حين عصفت الحرب بلبنان من اقصاه الى اقصاه. حين دمرت الحرب لبنان من اقصاه الى اقصاه الى اقصاه. حين هجرت الحرب اللبنانيين الى العالم من اقصاه الى اقصاه. مؤسسة حرة. يؤكد رأسها انها حرة. يؤكد كوادرها انها حرة. تؤكد سياستها، سلوكها، هويتها، رحمتها، هواؤها، سلامها الدائم. لن يخونها حماس العاملين فيها منذ لحظة بنائها، منذ لحظة تأسيسها. منذ ان قامت المؤسسة كمؤسسة. لن تخونها شجاعتهم وهم يواجهون كل ما هو مشؤوم. لا سلام في البلد، لا سلام في لبنان. اذن: اننا في رحلة بحث عن هواء منعش في المراحل الجديدة : مرحلة مرحلة. مرحلة تشبه الاخرى. مرحلة لا تشبه الاخرى: مرحلة سرية، مرحلة مستعجلة، مرحلة علنية. بيد ان لا سلام. هذه حروب متتالية، متتاليات.هذه بلاد بقية حياة. ولا حياة. غير ان ابطال المراحل هذه ، هم ابطال مفاجآت. ذلك انهم حولوا بقايا الحياة الى حياة. وثم حولوا الحياة الى حيوات، حين ضربوا الحياة بعشرة. ما تركوا ارواحهم امام الذكريات غير المجدية، ما تركوا ارواحهم امام الوقائع غيرالمجدية. اخذتهم ارتعاشات اللحظات الاخيرة، اخذتهم ارتعاشات البراكين الى الخضرة الكاملة، الى الخضرة الدسمة. فتح الجميع عيونهم على الحروب. حرب تجر حرباً تجر حرباُ تجر حرباٌ. وهكذا: حرب غزو العام 1982 . حرب حديد ونار وجوع وعطش . وحرب مقاومة. حرب لبنانية – اسرائيلية، حرب فلسطينية اسرائيلية، حرب فسلطيلبنانية – اسرائيلية. جوهرت المؤسسة في الحرب. ثم : وجدت مستقبلها برات الحرب، لأنها خاضتها. لم تهبها وهي تعد قتلاها وجرحاها وترصد الدمار الكبير في المدن والقرى والاحياء والزواريب. ارتفعت المتاريس في مقابل العدوان. ارتفعت “عامل” بعالمها لحظة العدوان. هذا شأنها، هذا قدرها. قدر ” اونتي يوناني”. قدر غير مستسلم. ولأنه غير مستسلم، لا يهاجر ابطاله على أمل العودة. بقيت “عامل” صلبة ومتجذرة. تقاسمت الود والناس. تقاسمت الحب مع الناس. استكشفت انفاس الناس، حلمت حلمهم بحياة ليست سهلة. حياة في ثلاثين عاماً، حياة اتسعت لكأس من الشاي الاصفر، كما اتسعت لآلاف القتلى وعشرات الآف من الجرحى والمعوقين. لياقة المؤسسة من قتالها الدائم لكل ما أعاق سلوكها طرقها الآمنة وغير الآمنة. اتسعت الحرب لتلك المؤسسة الكبرى.، بدءاً من لحظة التأجج الاولى. لا تراجع في فضاء معتم يتلمس الناس بحضورهم فيه باللمس والتحسس واغماض العيون بالظلام. ثم فتحها بالظلام لكي توآخي الظلام. مؤاخاة الظلام: نور على نور. نور في السماء، نور على الارض، نور في المنحنيات والمرتفعات والسهول والسهوب ، نور في الوفرة. ونور في شح النور

لا ينفك د. مهنا يذكر بتلك الايام البعيدة. كأنها أيام على طرف العالم، كأنها على طرف الوقت. هي سِفر في سَفر، لم ينكسر فيه صوت المؤسسة. ولم يهج. أكثر من ثلاثة عقود. ثلاثة عقود كاملة تبدو وكأنها ” على الفور”. لأن الغريزة هنا، لم تبقى غريزة فقط. احاطتها لكنة علمية، بنكهة علمية. مدعاة فهم لكل شيء: الدمار وتفاقم الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان. الحاجة الملحة الى المزيد من الطاقات البشرية. اطباء واساتذة جامعة وصحفيون واخصائيون اجتماعيون، بنوا مؤسسة بشعار “معاً”: معاً من اجل الوطن والمواطن. تدحرج حضور المؤسسة اذاك من الجنوب الى الشمال، قبل ان يمتد فوق هشاشة الوضع وشيخوخة الناس الى لبنان بكله . انشطة في المجالات كلها. معاهد تدريب، معاهد تعليم، تعاونيات زراعية، تعاونيات ذات اهداف تنموية بأرياف قصية. دار مسنين، مركز لعلاج الامراض العصبية والنفسية في صور. اجندة واسعة، اجندة بنوافذ بلا جدران. زرعت المؤسسة بالمناطق محولة اللاشيء الى شيء. مؤسسة قوية، بخروجها من المتاهات اللبنانية القاضية، بخروجها من ساحات مصارعةالثيران بالسيوف والاسلحة الاوتوماتيكية والمدفعية المرتدة وغير المرتدة، المتوسطة والثقيلة.هيئة، لم ترفض شيئاً، لا بالتعالي ولا بالكسل. لذا: اضحت عضواً في المجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة (Ecosoc) بالصفة الخاصة الاستشارية منذ العام 2000. عضو مؤسس في “تجمع الهيئات الاهلية التطوعية في لبنان” وفي المجلس الدولي للجمعيات التطوعية. شراكتها امتدت من منظمة الصحة العالمية الى برنامج الأمم المتحدة الانمائي، من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين الى الاتحاد الاوروبي . لا ملل ولا تعقيد. لا تملك ولا تعقيد . بل سرعة عمليات بأيدي جراحين مهرة وناشطين مهرة ولاعبين مهرة. قلص هذا من قوة الصدمات. مؤسسة ترمح في ساحات الرمل والنشارة و في الساحات الصلعاء. لا عبث في الاوضاع العبثية. كأن المؤسسة طبيب عاشق. كأن الناس معشوق المؤسسة. جاء في رواية ان طبيباً عشق ممرضة. اراد الرجل ان يحمي حبيبته من الآكزيما الناتجة عن استخدام المطهرات. أمر بصناعة قفازات مطاطية تبناها الجراحون في بعد. طبيب عاشق باهداف جلية ، لن يتركها حتى لا يموت الحماس ولا تموت الحمية. انها تحضر في ذهن وقلب الطبيب بسرعة اشبه بالدهشة. لأنها ارادت أن توفر دائماُ:

1- الحق للجميع في التعبير، الصحة، التعليم، السكن، العمل، الغذاء، البيئة السليمة، بمعزل عن الجنس والعقيدة والدين.

2- تمكين الفئات المهمشة من المشاركة في العملية التنموية وتشجيع المبادرات المحلية والتقويم المستمر للبرامج وتصويبها بما يتلاءم مع حاجات الناس وتطلعاتهم.

3- اشراك النساء في الاستراتيجية التنموية للمؤسسة وتعزيز دورهن الريادي في المجتمع.

4- اشراك الشباب في البرامج التنموية، خاصة التعليمية والتدربية منها، وتأهيلهم لتحمل المسؤوليات القيادية مستقبلاً.

5- تعزيز التنسيق مع الهيئات الأهلية، محلياً، اقليمياً وعالمياً، والشراكة مع القطاعين العام والخاص في البرمجة والتخطيط والتنفيذ، من أجل تنمية مستدامة.

كل ذلك على متن علاقات شراكة على ضفة وعلاقات ندية على ضفة أخرى.

هذا صوت الرجل يرتفع بفقره. هذا صوت الرجل يرتفع بقواه الطيبة، الخيّرة. صوت/ موقف، لاقى الاحترام الدائم. يروي : انه – ذات يوم من تموز 2006 عام العدوان الاسرائيلي على لبنان- دفع احد ممثلي الجمعيات غير الحكومية باميركا – بحضور وزير مالي سابق (اميركي) ورئيس تحرير جريدة النيويوك تايمز- الى الاعتراف بأن ثلاثة ارباع الشعب الاميركي ضد سياسة الرئيس الاميركي جورج بوش. رد ذلك على ما قاله له اولاً: ان الرئيس بوش يخيرنا بين الامن والارهاب. احتمالان لا ثالث لهما. احتمالان بلا مفاهيم تنموية ولا تنمية وبلا توزيع ثروات بين الشعوب. الفقراء يزدادون فقراً والاغنياء يزدادون غنى. يروي: ان جمعية المقاصد، رفضت تحت هذا الشرح، مبلغ تسعة ملايين دولار اميركي. مواقف مشفوعة بالحقيقة، بالحقائق الدامغة. ومواقف محصنة بالترتيب والمتابعة والتوثيق والاعلام والتفكير واعادة التفكير والتقييم والتقدير والاعتراف بجهود الآخرين. بإدراك اهمية الوقت.

ختامها ختام بلا احتفاليات. ختام بلا نزهات. ختام شغل اشبه بشغل عمال الطبقات السفلى في السفن. لا خلط ولا ممالأة . حمل الرجل صناديق امتعته، حملت المؤسسة صناديق امتعتها على ظهرها، صناديق ثرية باللا ماديات. لا العاب ورق ولا العاب دومينو. ولا تصنيفات. انهم رجال مشغولون بانقاذ الناس، مؤسسة بلا أجنحة. مؤسسة شرفات بلا نهاية. شرفات مخيلة أو هي مصنوعة من رقاقات الكد والحلم بآن. مؤسسة ضد الاقبية والزنازين والكلام الجامد والولادات المضيئة. لن يتحول الليل مع “عامل” الى ابدية. انها جزء في لوحة هائلة، تخطت اجزاء واسعة منها لكي تعزز جوهر الاشياء. او ان ترسمها في غيابها او حضورها البطيء أوالباهت.

لا يزال العالم العربي يصنف في العقد الاول من القرن الحادي والعشرين في خانة الدول النامية، وهو التعبير الملطف للدول المتخلفة. كما لا تزال التقارير الدولية تشدد على ادراجه في خانة المناطق المنكوبة. لم تشفع سياسات التحديث والتنمية حتى الآن في إدخاله في العصر الحديث. كما لم تتمكن تطورات العولمة والتقدم والتكنولوجيا من انتشاله من بؤرة التخلف المتعدد الجوانب. يطرح كثيرون في العالم العربي وخارجه اسئلة عن الأسباب التي حالت ولا تزال دون انتقال العرب الى الحداثة والتحديث ومواكبة تطورات الزمن المتقدم، قياساً بأمم لا تملك الحد الادنى مما يملكه العرب من إمكانات وطاقات مادية. ولكنها أسئلة ليست لها إجابات.

لقد وقعت الدول العربية على اعلان الألفية، مع تحديد أهداف واضحة للحد من الفقر، الجوع، المرض، الأمية، تلوث البيئة والتمييز ضد المرأة بحلول العام 2015. مما يرتب عليها مجموعة من الالتزمات تترجم في أطر عمل تؤكد دور المجتمع المدني- ومن ضمنه المنظمات الاهلية- كقوة دافعة تلعب دوراً مهماً في التحول السياسي والاجتماعي وتعزيز ثقافة المواطنة.

1- إن الخروج من الواقع الحالي يقتضي اعتماد ركنين اساسين: الركن الاول : دمقرطة التنمية:

ان تحقيق التنمية الديمقراطية يتم من خلال: اقتصاد منتج، وحفز الاستثمارات، والخروج من الفقر، والقضاء على الأمية والبطالة، والحد من الهجرة وتقليص الهوة بين المناطق أو بين الفئات الاجتماعية واللحاق بالتطور الثقافي العالمي. وهي جميعها تمثل: تحديات أساسية لمستقبل المنطقة العربية، لا يمكن تحقيقها الا من خلال دمقرطة التنمية التي تقوم على اشراك مختلف القوى والفئات الاجتماعية ومن ضمنها بنى المجتمع المدني في تحديد السياسات والخيارات الاقتصادية والاجتماعية والبشرية في العالم العربي، المصنوعة محلياً والمقررة من الداخل. ولكي نحول دون اتخاذ التنمية منحى عمودياً -اجتماعياً ام قطاعياً ام مناطقياً- لتحقيق ذلك علينا التعاون مع العالم الخارجي وفيما بيننا في العالم العربي والخروج من عقدة الخوف من الفرض والاملاء والدخول في علائق تشاركية وتفاعلية متكافئة.

2- الركن الثاني: تمكين المؤسسات الديمقراطية في العالم العربي:

ان الر كن الثاني في عملية تحقيق التنمية الديمقراطية الذي يمثل تحقيقه شرطاً ، هو تمكين المؤسسات الديمقراطية في الدول العربية من تعزيز المشاركة السياسية وبناء دولة القانون والمؤسسات وتفعيل دور المواطن واعادة تحديد علاقته بالدولة وتقوية دور السلطة القضائية واستقلالها، والقضاء على الفساد، وخلق آليات للشفافية والمساءلة واحترام دور السلطة التشريعية وعقلنة الثقافة السياسية وصون التعددية السياسية وضمان تداول السلطة وتوسيع مساحة الحرية ورقعة العمل للمجتمع المدني. كلها شروط أساسية لاندفاع الدولة في طريق التنمية الديمقراطية نفسها.

إن العالم العربي في أشد الحاجة اليوم الى تثبيت هذين الركنين للأنطلاق في عملية تحقيق أهداف الألفية والنهوض المستقبلي حيث العالم يغدو أكثر تقارباً وتداخلاً وترابطاً. وحيث ظاهرة التكتلات الإقليمية أو المقاربة باتت تمثل سمة القرن الجديد. إن نظاماً عربياً جديداً تمثل ” التنمية الديمقراطية” و ” تمكين المؤسسات الديمقراطية” أبرز مقوماته، هو القادر على تحقيق أهداف الألفية وعلى احتلال موقع في النظام العالمي الجديد الآخذ في التبلور.

إن الانطلاق برفع هذين الركنين في العالم العربي، يتطلب إنجاحه أيضاً ، إخراج المنطقة هذه من دوامة العنف والحروب والاحتلالات التي استنزفت المنطقة مادياً وبشرياً وحضارياً على مدى عقود. إن الخروج من هذا الواقع الاستنزافي يمثل مدخلاً أساسياً لتحقيق نهوضه.

صور عتيقة تستقرىء الصور الجديدة. صور جديدة تقرأ في الصور العتيقة بولادات متكررة بقوى مادية شحيحة وبقوى معنوية هائلة. لا تزال “عامل” ،لا يزال د. مهنا يقيم معاركه على متن وميض صغير من النور محكوم بالتواريخ المتحولة من جيل الى جيل. تفيض معاركه بالعواطف والعلاقات المعلنة والخفية. انه يؤكد اجزاء من تقاليد الشغل الاجتماعي في بلد يؤرخ ولا يحترم التقاليد كثيراً، بخلاف التقاليد البالية المحسوبة على الانفعالات الرخيصة. يكتب الرجل تاريخه وتاريخ المؤسسة حلقة حلقة بروح قرن مضى وقرن بدأ. هذا سحر حياته اليومية. لن يترك الحقل على عاتق أحد. لن يقبل باستعمال المخدر. ولو انتبه الى ضرورات استعمال تقنيات التعقيم. لأنه الادرى بوجبات الغثيان الثقيلة المقدمة دوماً الى المواطنين. تقدم الوجبات هذه بلا رحمة. لأنه الادرى بطول اغراسه وعرضها. غروس احتاجت الى سنوات وسنوات. غير انها أدت الى انتاج نبيذ فاخر. بل اجود انواع النبيذ. أفضل العنب لأفضل نبيذ. “عامل” عنب المدينة .” عامل” عنب القرية. لن يجعله النبيذ ثرياً. لن يجعل النبيذ المؤسسة ثرية.الا أنه سوف يسمح برفع انخاب الجميع. الفقراء في مقدمهم . هللويا.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here